تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
أي : فمن نقض العهد بعد إبرامه وتوثيقه ، فإنما عاقبة نقضه يعود وبالها وشؤمها عليه . فقوله * ( نَكَثَ ) * مأخوذ من النّكث - بكسر النون - وهو فك الخيوط المغزولة بعد غزلها ، وقوله : * ( ومَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْه اللَّه فَسَيُؤْتِيه أَجْراً عَظِيماً ) * أي : ومن ثبت على الوفاء بما عاهد اللَّه - تعالى - عليه فسيعطيه - سبحانه - من فضله أجرا عظيما على ذلك . والهاء في قوله : * ( عَلَيْه ) * قرأها حفص بالضم ، توصلا إلى تفخيم لفظ الجلالة ، الملائم لتفخيم أمر العهد المشعر به الكلام ، وقرأها الجمهور بالكسر . هذا ، وقد وردت أحاديث متعددة ، تصرح بأن الذين كانوا مع النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في صلح الحديبية قد بايعوا جميعا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على الموت أو على عدم الفرار ، سوى جماعة من المنافقين ، امتنعوا عن هذه البيعة ، لمرض قلوبهم ، وسوء طويتهم . . ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن سلمة بن الأكوع قال : بايعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم تحت الشجرة ، قيل : على أي شيء ؟ قال : على الموت . وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد اللَّه أنه سئل : كم كان عددكم يوم الحديبية ؟ قال : كنا أربع عشرة مائة ، فبايعنا الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على أن لا نفر - سوى الجد بن قيس فإنه اختفى تحت بطن بعيره ، ولم يسرع مع القوم . . وهكذا فاز المؤمنون الصادقون بشرف هذه البيعة وحرم منها المنافقون لمرض قلوبهم . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن المتخلفين ، الذين لم يخرجوا مع النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى صلح الحديبية ، فتحكى أعذارهم الزائفة ، وتفضحهم على رؤس الأشهاد ، وترد على أقوالهم الباطلة ، وتأمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالإعراض عنهم ، وإهمال أمرهم ، فهم قوم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللَّه . .

[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 11 إلى 17 ]

سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّه شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 11 ) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ( 12 ) ومَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّه ورَسُولِه فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً ( 13 ) ولِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً ( 14 ) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّه مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( 15 ) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّه أَجْراً حَسَناً وإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 16 ) لَيْسَ عَلَى الأَعْمى حَرَجٌ ولا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ومَنْ يُطِعِ اللَّه ورَسُولَه يُدْخِلْه جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ومَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْه عَذاباً أَلِيماً ( 17 )