تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
الطريق القويم ، والدين الحق ، والأقوال الطيبة ، والأعمال الصالحة . . * ( ويَنْصُرَكَ اللَّه ) * - تعالى - * ( نَصْراً عَزِيزاً ) * أي : نصرا قويا منيعا لا يغلبه غالب ، ولا يدفعه دافع ، لأنه من خالقك الذي لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه . . هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يرى أن اللَّه - تعالى - قد أكرم نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إكراما لا يدانيه إكرام ، ومنحه من الخير والفضل ما لم يمنحه لأحد سواه . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين فقال : * ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ، لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ . . ) * . . والسكينة : من السكون ، والمراد بها الثبات والطمأنينة التي أودعها - سبحانه - في قلوب المؤمنين ، فترتب على ذلك أن أطاعوا اللَّه ورسوله ، بعد أن ظنوا أن في شروط صلح الحديبية ظلما لهم . وأن بايعوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على الموت بعد أن بلغهم أن عثمان - رضى اللَّه عنه - قد قتله المشركون ، وفي التعبير عن ذلك بالإنزال ، إشعار بعلو شأنها ، حتى لكأنها كانت مودعة في خزائن رحمة اللَّه - تعالى - ، ثم أنزلها بفضله في قلوبهم بعد ذلك . . أي : هو - سبحانه - بفضله ورحمته ، الذي أنزل السكينة والطمأنينة والثبات في قلوب المؤمنين ، فانشرحت صدورهم لهذا الصلح بعد أن ضاقت في أول الأمر . وقوله : * ( لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ ) * تعليل لهذا الإنزال للسكينة . أي : أوجد السكينة وخلقها في قلوبهم ، ليزدادوا يقينا على يقينهم ، وتصديقا إلى تصديقهم وثباتا على ثباتهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُه زادَتْهُمْ إِيماناً وقوله - سبحانه - : وإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْه هذِه إِيماناً ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ « 1 » . وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها ، أن الإيمان يزيد وينقص . قال الآلوسي ما ملخصه : قال البخاري : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار ، فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص . واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل . أما العقل ، فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين في الفسوق والمعاصي ، مساويا لإيمان الأنبياء ، واللازم باطل ، فكذا الملزوم . .
هامش
( 1 ) سورة التوبة الآية 124 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 261 | سيد محمد طنطاوي