تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
قال ابن هشام : والدليل على صحة قول الزهري ، أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة من أصحابه ثم خرج إلى مكة في عام الفتح - بعد ذلك بسنتين - في عشرة آلاف من أصحابه . وقد أكد - سبحانه - هذا الفتح بثلاثة أنواع من المؤكدات ، وهي « إن » والمصدر « فتحا » والوصف « مبينا » وذلك للمسارعة إلى تبشير المؤمنين بتحقق هذا الفتح ، ولإدخال السرور على قلوبهم ، بعد تلك الشروط التي اشتمل عليها الصلح ، والتي ظنها بعضهم أن فيها إجحافا بالمسلمين . وأسند - سبحانه - الفعل إلى نون العظمة * ( فَتَحْنا ) * لتفخيم شأن المخبر - عز وجل - وعلو شأن المخبر عنه وهو الفتح . وقدم - سبحانه - الجار والمجرور * ( لَكَ ) * على المفعول المطلق * ( فَتْحاً ) * للاهتمام وللإشعار بأن ذلك الفتح كان من أجله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وفي ذلك ما فيه من تعظيم أمره صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومن وجوب طاعته ، والامتثال لأمره . ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك مظاهر فضله على رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : * ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّه ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ، ويُتِمَّ نِعْمَتَه عَلَيْكَ ، ويَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً . ويَنْصُرَكَ اللَّه نَصْراً عَزِيزاً ) * . واللام في قوله * ( لِيَغْفِرَ ) * متعلقة بقوله : * ( فَتَحْنا ) * وهي للتعليل . والمراد بما تقدم من ذنبه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما كان قبل النبوة ، وبما تأخر منه ما كان بعدها . والمراد بالذنب هنا بالنسبة له صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما كان خلاف الأولى ، فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ، أو المراد بالغفران : الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها ، فلا يصدر منه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ذنب ، لأن غفران الذنوب معناه : سترها وتغطيتها وإزالتها . قال الشوكاني : وقوله - تعالى - : * ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّه ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ) * اللام : متعلقة بفتحنا وهي لام العلة ، قال المبرد : هي لام كي ومعناها : إنا فتحنا لك فتحا مبينا - أي : ظاهرا واضحا مكشوفا - لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح ، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي . وقال ابن عطية : المراد أن اللَّه فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك ، فكأنها لام الصيرورة . . « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير فتح القدير ج 5 ص 44 للشوكاني .