تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
والحق أن هذا الآية الكريمة على رأس الآيات التي تخرس أصحاب الأقوال التي لا دليل على صحتها ، وتعلم الناس مناهج البحث الصحيح الذي يوصلهم إلى الحق والعدل . . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين قد بلغوا الذروة في ضلالهم وجهلهم فقال : * ( ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّه مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَه إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) * . أي : لا أحد أشد ضلالا وجهلا من هؤلاء المشركين الذين يعبدون من دون اللَّه - تعالى - آلهة ، هذه الآلهة لا تسمع كلامهم ، ولا تعقل نداءهم ، ولا تشعر بعبادتهم لها منذ أن عبدوها ، إلى أن تقوم الساعة . فإذا ما قامت الساعة ، تحولت هذه الآلهة - بجانب عدم شعورها بشيء إلى عدوة لهؤلاء العابدين لها . قال بعض العلماء : وفي قوله : * ( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) * نكتة حسنة ، وذلك أنه جعل يوم القيامة غاية لعدم الاستجابة ، ومن شأن الغاية انتهاء المغيا عندها . لكن عدم الاستجابة مستمر بعد هذه الغاية ، لأنهم في يوم القيامة لا يستجيبون لهم . فالوجه - واللَّه أعلم - أنها من الغايات المشعرة ، بأن ما بعدها وإن وافق ما قبلها ، إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثاني ، حتى كأن الحالتين وإن كانتا نوعا واحدا ، لتفاوت ما بينهما كالشىء وضده ، وذلك أن الحالة الأولى التي جعلت غايتها القيامة لا تزيد على عدم الاستجابة ، والحالة الثانية التي في القيامة زادت على عدم الاستجابة ، بالعداوة بالكفر بعبادتهم إياهم « 1 » . ثم أكد - سبحانه - عدم إحساس الأصنام بعابديها فقال : * ( وهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ ) * . أي : وهذه الأصنام عن عبادة عابديها غافلة ، لا تدرك شيئا ، ولا تحس بمن حولها . قال صاحب الكشاف : وإنما قيل « من » و « هم » لأنه أسند إليهم ما يسند إلى أولى العلم من الاستجابة والغفلة ، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلا وغباوة . ويجوز أن يريد : كل معبود من دون اللَّه من الجن والإنس والأوثان « 2 » . ثم بين ما يكون بين العابدين والمعبودين من عداوة يوم القيامة فقال : * ( وإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ ) * .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 295 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 296 .