تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة بألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم . وذلك مما يلفت أنظارهم ، ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا ومواعظ من شأنها أنها تهديهم إلى الحق ، لو كانوا يعقلون . وقد سبق أن بينا - بشيء من التفصيل - آراء العلماء في هذه الحروف المقطعة « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّه الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) * بيان لمصدر هذا القرآن ، وأنه من عند اللَّه - تعالى - ، لا من عند غيره . أي : أن هذا القرآن منزل من عند اللَّه - تعالى - * ( الْعَزِيزِ ) * أي : صاحب العزة الغالبة ، والسلطان القاهر * ( الْحَكِيمِ ) * في كل أقواله وأفعاله وتصريفه لشؤون خلقه . ثم بين - سبحانه - أنه لم يخلق هذا الكون عبثا ، فقال : * ( ما خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وأَجَلٍ مُسَمًّى . . . ) * . وقوله : * ( إِلَّا بِالْحَقِّ ) * استثناء مفرغ من أهم الأحوال ، وهو صفة لمصدر محذوف ، وقوله : * ( وأَجَلٍ مُسَمًّى ) * معطوف على « الحق » والكلام على تقدير مضاف محذوف . أي : ما خلقنا هذا الكون بسمائه وأرضه وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا اللَّه ، ما خلقنا كل ذلك إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل وبالحكمة التي اقتضتها إرادتنا ومشيئتنا . . وما خلقنا كل ذلك - أيضا - إلا بتقدير أجل معين ، هو يوم القيامة الذي تفنى عنده جميع المخلوقات . فالمراد بالأجل المسمى : يوم القيامة الذي ينتهى عنده آجال الناس ، ويقفون بين يدي اللَّه - تعال - للحساب والجزاء . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وما خَلَقْنَا السَّماءَ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا . ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ « 2 » . وقوله - سبحانه - : وما خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ . ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ . . . « 3 » .
هامش
( 1 ) راجع تفسيرنا لسور البقرة والأعراف ويونس . ( 2 ) سورة ص الآية 27 . ( 3 ) سورة الدخان الآيتان 38 ، 39 .