تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من خالقهم فقال : * ( والَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ) * والإنذار : الإعلام المقترن بتهديد ، فكل إنذار إعلام ، وليس كل إعلام إنذار . و « ما » في قوله : * ( عَمَّا أُنْذِرُوا ) * يصح أن تكون موصولة والعائد محذوف ، ويصح أن تكون مصدرية . والإعراض عن الشيء : الصدود عنه ، وعدم الإقبال عليه ، وأصله من العرض - بضم العين - وهو الجانب ، لأن المعرض عن الشيء يعطيه جانب عنقه ، مبتعدا عنه . أي : نحن الذين خلقنا بقدرتنا وحكمتنا ، السماوات والأرض وما بينهما ، بالحق الذي اقتضته مشيئتنا ، وبتقدير أمد معين ، عند انتهائه « تبدل الأرض غير الأرض والسماوات . . » ومع كل هذه الدلائل الساطعة الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، فالذين كفروا بالحق ، عن الذي أنذروه من الحساب والجزاء معرضون ، وفي طغيانهم يعمهون . . فالآية الكريمة قد وضحت أن هذا الكون لم يخلقه اللَّه - تعالى - عبثا ، وأن لهذا الكون نهاية ينتهى عندها ، وأن الكافرين - لجهلهم وعنادهم - لم يستجيبوا لمن دعاهم إلى إخلاص العبادة للَّه الواحد القهار ، ولم يستعدوا لاستقبال يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جهالاتهم وعنادهم ، فقال : * ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ، أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ ، أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ . . . ) * . وقوله : * ( أَرَأَيْتُمْ ) * بمعنى أخبروني ، ومفعوله الأول قوله * ( ما تَدْعُونَ ) * وجمله « ماذا خلقوا » سدت مسد مفعوله الثاني . وجملة : « أروني » مؤكدة لقوله : * ( أَرَأَيْتُمْ ) * لأنها - أيضا - بمعنى أخبروني . والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين - على سبيل التوبيخ والتأنيب - : أخبروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دول اللَّه - تعالى - ، أي شيء في الأرض أوجدته هذه الآلهة ؟ إنها قطعا لم تخلق شيئا من الأرض . فالأمر في قوله * ( أَرُونِي ) * للتعجيز والتبكيت . و « أم » في قوله * ( أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ) * للإضراب عن أن يكونوا قد خلقوا شيئا ، إلى بيان أنهم لا مشاركة لهم مع اللَّه في خلق السماوات أو الأرض أو غيرهما . فقوله : * ( شِرْكٌ ) * بمعنى مشاركة . . أي : بل ألهم مشاركة من اللَّه - تعالى - في خلق شيء من السماوات ؟ كلا ، لا مشاركة