تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
وقوله : * ( وأَضَلَّه اللَّه عَلى عِلْمٍ ) * أي : وأضل اللَّه - تعالى - هذا الشقي ، بأن خلق فيه الضلالة ، على علم منه - سبحانه - بأن هذا الشقي أهل لذلك لاستحبابه العمى على الهدى . فيكون قوله * ( عَلى عِلْمٍ ) * حال من الفاعل ، أي أضله - سبحانه - حالة كونه عالما بأنه من أهل الضلال . ويصح أن يكون حالا من المفعول ، أي : وأضل اللَّه - تعالى - هذا الشقي ، والحال أن هذا الشقي عالم بطريق الإيمان ، ولكنه استحب الغي على الرشد . وقوله * ( وخَتَمَ عَلى سَمْعِه وقَلْبِه ) * والختم : الوسم بطابع ونحوه ، مأخوذ من وضع الخاتم على الشيء ، وطبعه فيه للاستيثاق ، لكي لا يخرج منه ما بداخله ولا يدخله ما هو خارج عنه . أي : وطبع على سمعه وقلبه ، فجعله لا يسمع سماع تدبر وانتفاع ، ولا يفقه ما فيه هدايته ورشده . * ( وجَعَلَ عَلى بَصَرِه غِشاوَةً ) * أي : وجعل على بصره غطاء ، يحجب عنه الرؤية السليمة للأشياء وأصل الغشاوة ما يغطى به الشيء ، من غشاه إذا غطاه . والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( فَمَنْ يَهْدِيه مِنْ بَعْدِ اللَّه ) * للإنكار والنفي . أي : لا أحد يستطيع أن يهدى هذا الإنسان الذي اتخذ إلهه هواه من بعد أن أضله اللَّه - عز وجل - . * ( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) * أي : أفلا تتفكرون وتتأملون فيما سقت لكم من مواعظ وعبر ، تفكرا يهديكم إلى الرشد ، ويبعثكم على الإيمان . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، تسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما أصابه من المشركين ، وتعجيب من أحوالهم التي بلغت الغاية في الجهالة والضلالة . ودعوة لهم إلى التذكر والاعتبار ، لأن ذلك ينقلهم من الكفر إلى الإيمان . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أقوالهم الباطلة فقال : * ( وقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) * . أي : وقال هؤلاء المشركون على سبيل الجهل والعناد والجحود للحق ، ما الحياة إلا هذه الحياة الدنيوية التي نحياها فيها ، وليس هناك حياة سواها ، فنحن نموت ثم يحيا أولادنا من