تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
الذين اجترحوا السيئات ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ، توبيخهم على أحكامهم الباطلة ، وأفكارهم الفاسدة . قال الآلوسي : قوله : ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي : ساء حكمهم هذا ، وهو الحكم بالتساوي ، فما مصدرية ، والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود . ويجوز أن يكون لإنشاء ذمهم على أن ساءَ بمعنى بئس ، فتكون كلمة ما نكرة موصوفة ، وقعت تمييزا مفسرا لضمير الفاعل المبهم والمخصوص بالذم محذوف أي : بئس شيئا حكموا به ذلك « 1 » . ثم أكد - سبحانه - عدم المساواة بين الفريقين فقال : * ( وخَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ ) * أي خلقهما خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل . وقوله * ( ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) * معطوف على مقدر يفهم من سياق الكلام . أي : خلقهما بالحق ليبرهن بذلك على وحدانيته وقدرته . ولتجزى كل نفس يوم القيامة بسبب ما اكتسبته من أعمال . ويصح أن يكون معطوفا على قوله * ( بِالْحَقِّ ) * . أي : خلقهما بالحق المقتضى للعدل بين العباد ، ولتجزى كل نفس بما كسبت ، فهو من عطف المسبب على السبب . * ( وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) * أي : الخلائق المدلول عليهم بقوله * ( كُلُّ نَفْسٍ ) * لا يلحقهم شيء من الظلم يوم القيامة ، لأن اللَّه - تعالى - قد كتب على نفسه أنه لا يظلم أحدا . والاستفهام في قوله - سبحانه - : * ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه هَواه ) * للتعجب من حال هؤلاء المشركين ، ولتسلية النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما أصابه منهم من أذى . والمراد بهواه : ما يستحسنه من تصرفات ، حتى ولو كانت تلك التصرفات في نهاية القبح والشناعة والجهالة . والمعنى : انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم - في أحوال هؤلاء الكافرين فإنك لن ترى جهالة كجهالاتهم ، لأنهم إذا حسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم ، مهما كان قبح تصرفهم ، وانحطاط تفكيرهم ، وخضعوا له كما يخضع العابد لمعبوده . قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا . فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 25 ص 151 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 160 | سيد محمد طنطاوي