تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
لا غربة على مؤمن . ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه . إلا بكت عليه السماء والأرض . ثم قرأ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هذه الآية . ثم قال : إنهما لا يبكيان على كافر « 1 » . ثم بين - سبحانه - جانبا من نعمه على بني إسرائيل فقال : * ( ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ ) * . أي : واللَّه لقد نجينا - بفضلنا ورحمتنا - بني إسرائيل من العذاب المهين ، الذي كان ينزله بهم أعداؤهم ، كقتلهم للذكور ، واستبقائهم للإناث . . وقوله : * ( مِنْ فِرْعَوْنَ ) * بدل من العذاب على حذف المضاف ، والتقدير : من عذاب فرعون . . أو على المبالغة كأن فرعون نفس العذاب ، لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم . ثم بين - سبحانه - حال فرعون فقال : * ( إِنَّه كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ ) * أي : نجيناهم من فرعون الذي كان متكبرا متجبرا ، ومن المسرفين في فعل الشرور ، وفي ارتكاب القبائح . . ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من إكرامه لبنى إسرائيل فقال : * ( ولَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ ) * . والاختيار : الاصطفاء على سبيل التشريف والتكريم ، أي : ولقد اصطفينا بني إسرائيل على عالمي زمانهم ، ونحن عالمون بذلك علما اقتضته حكمتنا ورحمتنا . فقوله * ( عَلى عِلْمٍ ) * في موضع الحال من الفاعل ، والمراد بالعالمين : أهل زمانهم المعاصرين لهم ، بدليل قوله - تعالى - في الأمة الإسلامية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ . . . وهذا الاصطفاء والاختيار ، إنما مرده إلى من يعمل منهم عملا صالحا ، أما الذين لم يعملوا ذلك فلا مزية لهم ولا فضل ، ولذا نجد كثيرا من الآيات تذم من يستحق الذم منهم . ومن ذلك قوله - تعالى - : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ . كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوه ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ « 2 » . ثم بين - سبحانه - بعض المعجزات التي جاءتهم على أيدي رسلهم فقال : * ( وآتَيْناهُمْ مِنَ الآياتِ ما فِيه بَلؤُا مُبِينٌ ) * . أي : وأعطيناهم من المعجزات الدالة على صدق رسلهم كموسى وعيسى وغيرهما ، ما فيه بلاء مبين .
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 239 . ( 2 ) سورة المائدة الآية 78 . 79 .