تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ . ولا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ . . . ثم بين - سبحانه - أن فرعون وقومه بعد أن غرقوا ، لم يحزن لهلاكهم أحد ، فقال : * ( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأَرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ ) * . أي : أن هؤلاء المغرقين ، الذين كانوا ملء السمع والبصر ، وكانوا يذلون غيرهم ، وكانوا يملكون الجنات والعيون . . . هؤلاء الطغاة ، لم يحزن لهلاكهم أحد من أهل السماوات أو أهل الأرض ، ولم يؤخر عذابهم لوقت آخر في الدنيا أو في الآخرة ، بل نزل بهم الغرق والدمار بدون تأخير أو تسويف . . فالمقصود من الآية الكريمة بيان هوان منزلة هؤلاء المغرقين ، وتفاهة شأنهم ، وعدم أسف أحد على غرقهم ، لأنهم كانوا ممقوتين من كل عاقل . . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : كان العرب إذا مات فيهم رجل خطير قالوا في تعظيم مهلكه : بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح ، وأظلمت له الشمس . . قال جرير في رثاء عمر بن العزيز :
نعى النعاة أمير المؤمنين لنا يا خير من حج بيت اللَّه واعتمرا
حملت أمرا عظيما فاصطبرت له وقمت فيه بأمر اللَّه يا عمرا
الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكى عليك نجوم الليل والقمرا
وقالت ليلى بنت طريف الخارجية ، ترثى أخاها الوليد :
أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف
وذلك على سبيل التمثيل والتخييل ، مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه . . وفي الآية تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده ، فيقال فيه : بكت عليه السماء والأرض . يعنى فما بكى عليهم أهل السماء والأرض ، بل كانوا بهلاكهم مسرورين . . « 1 » . وقال الإمام أبن كثير : قوله : * ( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأَرْضُ . . ) * أي : لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكى على فقدهم ، ولا لهم بقاع في أرض عبدوا اللَّه فيها ففقدتهم فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا . . ثم ساق - رحمه اللَّه - جملة من الأحاديث منها ما أخرجه ابن جرير عن شريح بن عبيد الحضرمي قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا ، ألا
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف وحاشيته ج 4 ص 276 .