على وحدانيته وقدرته ، وأن أشرف البيوت في الأرض ، هي بيوته التي يذكر فيها اسمه والتي يسبح له فيها بالغدو والآصال رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وإِقامِ الصَّلاةِ وإِيتاءِ الزَّكاةِ . يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيه الْقُلُوبُ والأَبْصارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّه أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِه ، واللَّه يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ .
تلك هي عاقبة المؤمنين الصادقين . الذين « لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه » أما الكافرون فأعمالهم « كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، ووجد اللَّه عنده فوفاه حسابه ، واللَّه سريع الحساب » .
8 - ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - في هذا الكون ، وأن المتأمل في هذا الوجود ، يرى مظاهر قدرته - سبحانه - ظاهرة في هذا السحاب الذي يتحول إلى مطر لا غنى للناس عنه ، وفي تقلب الليل والنهار . وفي خلق الدواب على أشكال مختلفة .
قال - تعالى - : يُقَلِّبُ اللَّه اللَّيْلَ والنَّهارَ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصارِ واللَّه خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِه . ومِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ ، يَخْلُقُ اللَّه ما يَشاءُ إِنَّ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
9 - ثم كشفت السورة الكريمة للمؤمنين عن جانب من رذائل المنافقين ، لكي يحذروهم .
فقال - تعالى - : ويَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّه وبِالرَّسُولِ وأَطَعْنا ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وإِذا دُعُوا إِلَى اللَّه ورَسُولِه لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْه مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا ، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّه عَلَيْهِمْ ورَسُولُه ، بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .
10 - وبعد هذا التوبيخ للمنافقين على سلوكهم الذميم ، وعلى نكوصهم عن حكم اللَّه - تعالى - ورسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم جاء وعد اللَّه - تعالى - للمؤمنين ، بالاستخلاف في الأرض ، وبالتمكين في الدين ، وبتبديل خوفهم أمنا ، فقال - تعالى - : وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ، ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ، ومَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ .
11 - ثم عادت السورة مرة أخرى إلى الحديث عن آداب الاستئذان ، فأمرت المؤمنين أن يعودوا مماليكهم وصبيانهم الذين لم يبلغوا الحلم ، على الاستئذان في الدخول عليهم ثلاث مرات
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 75
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٧٥