تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
ثم عللت طلبها بقولها : * ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) * أي : استأجره ليرعى غنمنا ، فإنه جدير بهذه المهمة ، لقوته وأمانته ، ومن جمع في سلوكه وخلقه بين القوة والأمانة ، كان أهلا لكل خير ، ومحلا لثقة الناس به على أموالهم وأعراضهم . قال ابن كثير : قال عمر ، وابن عباس ، وشريح القاضي ، وأبو مالك ، وقتادة . . وغير واحد : لما قالت : * ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) * قال لها أبوها : وما علمك بذلك ؟ قالت : إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال ، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه ، فقال لي : كوني من ورائي ، فإذا اجتنبت الطريق فاحذفى - أي فارمى - بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدى إليه « 1 » . واستجاب الشيخ الكبير لما اقترحته عليه ابنته ، وكأنه أحس بصدق عاطفتها ، وطهارة مقصدها وسلامة فطرتها ، فوجه كلامه إلى موسى قائلا : * ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ) * . أي : قال الشيخ الكبير لموسى مستجيبا لاقتراح ابنته : يا موسى إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين . ولعله أراد بإحداهما ، تلك التي قالت له : يا أبت استأجره ، لشعوره - وهو الشيخ الكبير ، والأب العطوف ، الحريص على راحة ابنته - بأن هناك عاطفة شريفة تمت بين قلب ابنته ، وبين هذا الرجل القوى الأمين ، وهو موسى - عليه السلام - . وفي هذه الآيات ما فيها من الإشارة إلى رغبة المرأة الصالحة ، في الرجل الصالح ، وإلى أنه من شأن الآباء العقلاء أن يعملوا على تحقيق هذه الرغبة . قال الشوكاني : في هذه الآية مشروعية عرض ولى المرأة لها على الرجل ، وهذه سنة ثابتة في الإسلام ، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبى بكر وعثمان ، وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة أيام النبوة ، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ) * بيان لما اشترطه الشيخ الكبير على موسى - عليه السلام - .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 239 . ( 2 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ح 4 ص 169 .