تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما اشترطت على ولا أنت عما اشترطت على نفسك . . ثم قال : أي أجل من الأجلين قضيت - أطولهما أو أقصرهما - * ( فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ) * أي : فلا يعتدى على في طلب الزيادة عليه . فإن قلت : تصور العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر ، وهو المطالبة بتتمة العشر ، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعا ؟ قلت : معناه ، كما أنى إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شك فيه ، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني . أراد بذلك تقرير أمر الخيار ، وأنه ثابت مستقر ، وأن الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء ، وأما التتمة فهي موكولة إلى رأيي . إن شئت أتيت بها ، وإلا لم أجبر عليها . . « 1 » . والمقصود بقوله : * ( واللَّه عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ) * توثيق العهد وتأكيده ، وأنه لا سبيل لواحد منهما على الخروج عنه أصلا . أي : واللَّه - تعالى - شهيد ووكيل ورقيب على ما اتفقنا عليه ، وتعاهدنا على تنفيذه ، وكفى بشهادته - سبحانه - شهادة . وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الآثار التي تدل على أن موسى - عليه السلام - قد قضى أطول الأجلين . ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : سألت جبريل : أي الأجلين قضى موسى ؟ قال : « أكملهما وأتمهما ، وفي رواية : أبرهما وأوفاهما » « 2 » . هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يرى فيها بجلاء ووضوح ، ما جبل عليه موسى - عليه السلام - من صبر على بأساء الحياة وضرائها ومن همة عالية تحمله في كل موطن على إعانة المحتاج ، ومن طبيعة إيجابية تجعله دائما لا يقف أمام مالا يرضيه مكتوف اليدين ، ومن عاطفة رقيقة تجعله في كل الأوقات دائم التذكر لخالقه ، كثير التضرع إليه بالدعاء . كما يرى فيها الفطرة السوية ، والصدق مع النفس ، والحياء ، والعفاف ، والوضوح ، والبعد عن التكلف والالتواء ، كل ذلك متمثل في قصة هاتين المرأتين اللتين سقى لهما موسى غنمهما ، واللتين جاءته إحداهما تمشى على استحياء ، ثم قالت لأبيها : يا أبت استأجره . كما يرى فيها ما كان يتحلى به ذلك الشيخ الكبير من عقل راجح ، ومن قول طيب حكيم ، يدخل الأمان والاطمئنان على قلب الخائف ، ومن أبوة حانية رشيدة ، تستجيب
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 406 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 240 .