تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
ويرى بعض المفسرين ، أن القائل لموسى هذا القول ، هو الإسرائيلى ، الذي طلب من موسى النصرة والعون ، وسبب قوله هذا : أنه توهم أن موسى يريد أن يبطش به دون القبطي ، عندما قال له : * ( إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ) * . فيكون المعنى : قال الإسرائيلي لموسى بخوف وفزع : يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا - هي نفس القبطي - بالأمس ، وما تريد بفعلك هذا إلا أن تكون * ( جَبَّاراً فِي الأَرْضِ ) * أي : ظالما قتالا للناس في الأرض ، * ( وما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ) * الذين يصلحون ، بين الناس ، فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن . ويرى بعضهم أن القائل لموسى هذا القول هو القبطي ، لأنه فهم من قول موسى للإسرائيلى * ( إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ) * أنه - أي : موسى - هو الذي قتل القبطي بالأمس . وقد رجح الإمام الرازي هذا الوجه الثاني فقال : والظاهر هذا الوجه ، لأنه - تعالى - قال : * ( فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى ) * فهذا القول إذن منه - أي من القبطي - لا من غيره - وأيضا قوله : * ( إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ ) * لا يليق إلا بأن يكون قولا من كافر - وهو القبطي - . وما رجحه الإمام الرازي هو الذي نميل إليه ، وإن كان أكثر المفسرين قد رجحوا الرأي الأول ، وسبب ميلنا إلى الرأي الثاني ، أن السورة الكريمة قد حكت ما كان عليه فرعون وملؤه من علو وظلم واضطهاد لبنى إسرائيل ، ومن شأن الظالمين أنهم يستكثرون الدفاع عن المظلومين ، بل ويتهمون من يدافع عنهم بأنه جبار في الأرض ، لذا نرى أن القائل هذا القول لموسى ، هو القبطي ، وليس الإسرائيلى - واللَّه أعلم بمراده - . وقوله - سبحانه - : * ( وجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى . . ) * معطوف على كلام محذوف يرشد إليه السياق . والتقدير : وانتشر خبر قتل موسى للقبطي بالمدينة ، فأخذ فرعون وقومه في البحث عنه لينتقموا منه . . وجاء رجل - قيل هو مؤمن من آل فرعون - من أقصى المدينة ، أي : من أطرافها وأبعد مكان فيها * ( يَسْعى ) * أي : يسير سيرا سريعا نحو موسى ، فلما وصل إليه قال له : * ( يا مُوسى إِنَّ الْمَلأَ ) * وهم زعماء قوم فرعون . * ( يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ) * أي : يتشاورون في أمرك ليقتلوك ، أو يأمر بعضهم بعضا بقتلك ، وسمى التشاور بين الناس ائتمارا ، لأن كلا من المتشاورين يأمر الآخر ، ويأتمر بأمره . ومنه قوله - تعالى - : وأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ أي : وتشاوروا بينكم بمعروف .