تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
الذين يريدون الحياة الدنيا تمنوا أن يكونوا مثله ، وكيف أن الذين أوتوا العلم قالوا لهم على سبيل الزجر : وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّه خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ، ولا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ وكيف أن الذين يريدون الحياة الدنيا قالوا بعد أن رأوا مصرع قارون : لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّه عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا . . . ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ، ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف فقال - تعالى - : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ولا فَساداً ، والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . 9 - وبعد أن انتهت السورة الكريمة ، عن الحديث المتنوع من قصص السابقين ، ومن التعقيبات الحكيمة عليها . . بعد كل ذلك ، جاء الأمر من اللَّه - تعالى - بإخلاص العبادة له ، والنهى عن الإشراك به فقال - سبحانه - ولا تَدْعُ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ لا إِله إِلَّا هُوَ ، كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ، لَه الْحُكْمُ وإِلَيْه تُرْجَعُونَ . 10 - وبعد ، فهذا عرض مجمل لما اشتملت عليه سورة القصص من مقاصد وأهداف ، ومن هذا العرض ، ترى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أهمها ما يأتي : ( أ ) تثبيت المؤمنين ، وتقوية عزائمهم ، وتبشيرهم بأن العاقبة لهم ، وبأن اللَّه - تعالى - سيجعل من ضعفهم قوة ، ومن قلتهم كثرة ، كما جعل من موسى وقومه أمة منتصرة بعد أن كانت مهزومة ، وغالبة بعد أن كانت مغلوبة . ترى هذه التقوية والبشارة في مثل قوله - تعالى - : ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ . ونُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ . ( ب ) أن السورة الكريمة تعطينا صورة زاخرة بالمعاني الكريمة والمؤثرة ، عن حياة موسى - عليه السلام - فهي تحكى لنا حالة أمه . وأحاسيسها ، وخلجات قلبها ، وخوفها ، عند ولادته ، وبعد ولادته ، وبعد إلقائه في اليم ، وبعد أن علمت بالتقاط آل فرعون له ، وبعد رد اللَّه - تعالى - إليها ابنها ، فضلا منه - سبحانه - ورحمة . كما تحكى لنا ما جبل عليه موسى - عليه السلام - من مروءة عالية جعلته يأبى أن يرى مظلوما فلا ينصره ، ومحتاجا فلا يعينه . فعند ما رأى امرأتين عاجزتين عن سقى غنمهما ، قال لهما : ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ، وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ، فَسَقى لَهُما . . .