تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
5 - ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على موسى - عليه السلام - بعد أن بلغ أشده واستوى ، وبعد أن قتل رجلا من أعدائه ، وكيف أنه خرج من المدينة خائفا يترقب ، قال : رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وقد أجاب اللَّه - تعالى - له دعاءه ، فنجاه منهم ، ويسر له الوصول إلى جهة مدين ، فعاش هناك عشر سنين ، أجيرا عند شيخ كبير من أهلها ، وتزوج موسى - عليه السلام - بعد انقضاء تلك المدة ، بإحدى ابنتي هذا الشيخ الكبير . قال - تعالى - حاكيا بعض ما قاله هذا الشيخ لموسى : قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ ، وما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه مِنَ الصَّالِحِينَ . قالَ ذلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ ، أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ، واللَّه عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ . 6 - ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، أن موسى بعد أن قضى المدة التي تعاقد عليها مع الرجل الصالح ، وبعد أن تزوج ابنته ، سار بها متجها إلى مصر ، وفي الطريق رأى نارا ، فلما ذهب إليها ، أمره ربه - تعالى - بأن يذهب إلى فرعون وقومه ليأمرهم بإخلاص العبادة له - عز وجل - وذهب موسى - عليه السلام - إليهم ، وبلغهم رسالة ربه ، ولكنهم كذبوه ، فكانت عاقبتهم كما قال - تعالى - : فَأَخَذْناه وجُنُودَه فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ . . . 7 - وبعد هذا الحديث المفصل عن قصة موسى - عليه السلام - أخذت السورة الكريمة في تسلية الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما أصابه من قومه ، فذكرت له ما يدل على أن هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - وأمرته أن يتحدى المشركين به ، وبينت له أنه - عليه الصلاة والسلام - لا يستطيع أن يهدى من يحبه ولكن اللَّه هو الذي يهدى من يشاء هدايته ، وحكت جانبا من أقوال المشركين وردت عليها ، كما حكت جانبا من المصير السيئ الذي سيكونون عليه يوم القيامة ، فقال - تعالى - : ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ، فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ . . . ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ : أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ . ونَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ ، فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّه ، وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ . 8 - ثم عادت السورة بعد ذلك للحديث عن قصة تتعلق برجل كان من قوم موسى : وهو قارون ، فأخبرتنا بجانب من النعم التي أنعم اللَّه - تعالى - بها عليه ، وكيف أنه قابل هذه النعم بالجحود والكنود ، دون أن يستمع إلى نصح الناصحين ، أو وعظ الواعظين ، وكيف أن
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 370 | سيد محمد طنطاوي