تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
* ( أَإِله مَعَ اللَّه ) * هو الذي فعل ذلك ، كلا ، فما فعل ذلك أحد سواه . وقوله - سبحانه - : * ( تَعالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له - تعالى - عن الشرك والشركاء . أي : تنزه اللَّه وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين ، فهو الواحد الأحد في ذاته ، وفي صفاته ، وفي أفعاله . ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية ، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية ، فقال - تعالى - : * ( أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ) * أي : قولوا لنا - أيها المشركون - من الذي في قدرته أن يوجد الخلق في الأرحام من نطفة ، ثم يحولها إلى علقة ، ثم إلى مضغة . . ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها ، إلى الحياة مرة أخرى ؟ لا شك أنه لا يقدر على ذلك أحد سوى اللَّه - تعالى - . ثم قولوا لنا * ( ومَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ ) * بالمطر والنبات والأموال ، وبغير ذلك من ألوان النعم التي لا تحصى ؟ . * ( أَإِله مَعَ اللَّه ) * هو الذي فعل ذلك ؟ كلا ، لم يفعل ذلك سوى اللَّه - تعالى - وحده ثم لقن اللَّه - تعالى رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم الجواب الذي يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال : * ( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * . أي : قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم لك ، أحضروا حجتكم وهاتوا برهانا عقليا أو نقليا ، على أن للَّه - تعالى - شريكا في ملكه ، إن كنتم صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل - . قال الإمام الرازي ما ملخصه : اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا ، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال : * ( أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ) * ، لأن نعم اللَّه بالثواب لا تتم إلا بالإعادة بعد الابتداء . فإن قيل : كيف قيل لهم : * ( أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ) * وهم منكرون للإعادة ؟ . فالجواب : أنهم كانوا معترفين بالابتداء ، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ظاهرة قوية ، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة ، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر في الإنكار . . « 1 » . وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة . قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها ، على وحدانية اللَّه - تعالى - ، وعلى كمال قدرته ، وشمول علمه ، وانفراده بالخلق والتدبير . .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 416 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 348 | سيد محمد طنطاوي