تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
خاصة أنفسهم ، وفي حنايا قلوبهم فتقول : * ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاه ويَكْشِفُ السُّوءَ ) * والمضطر : اسم مفعول من الاضطرار الذي هو افتعال من الضرورة . والمراد به : الإنسان الذي نزلت به شدة من الشدائد . جعلته يرفع أكف الضراعة إلى اللَّه - تعالى - لكي يكشفها عنه . أي : وقولوا لنا - أيها المشركون - : من الذين يجيب دعوة الداعي المكروب الذي نزلت به المصائب والرزايا ؟ ومن الذي يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء ؟ إنه اللَّه وحده ، هو الذي يجيب دعاء من التجأ إليه ، وهو وحده - سبحانه - الذي يكشف السوء عن عباده ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته . وقولوا لنا - أيضا - : من الذي * ( يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأَرْضِ ) * أي : من الذي يجعلكم يخلف بعضكم بعضا . قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل * ( أَإِله مَعَ اللَّه ) * هو الذي فعل ذلك . كلا ، بل اللَّه وحده - عز وجل - هو الذي يجيب المضطر ، وهو الذي يكشف السوء ، وهو الذي يجعلكم خلفاء الأرض ، ولكنكم * ( قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ) * أي : ولكنكم زمانا قليلا هو الذي تتذكرون فيه نعم اللَّه - تعالى - عليكم ، ورحمته بكم . وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة ، لأن الإنسان من شأنه - إلا من عصم اللَّه - أنه يذكر اللَّه - تعالى - عند الشدائد ، وينساه عند الرخاء . وصدق اللَّه إذ يقول : وإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ أَعْرَضَ ونَأى بِجانِبِه ، وإِذا مَسَّه الشَّرُّ ، فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ « 1 » . ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه - سبحانه - عليهم في أسفارهم فقال - تعالى - : * ( أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ ) * . أي : وقولوا لنا - أيها المشركون - : من الذي يرشدكم في أسفاركم إلى المكان الذي تريدون الذهاب إليه ، عندما تلتبس عليكم الطرق ، وأنتم بين ظلمات البحر وأمواجه ، أو وأنتم في متاهات الأرض وفجاجها . وقولوا لنا : * ( مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه ) * أي : ومن الذي يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر ، الذي هو رحمة من اللَّه - تعالى - لكم ، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط ؟
هامش
( 1 ) سورة فصلت الآية 51 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 347 | سيد محمد طنطاوي