تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
وتجاوز كل الحدود التي ترتضيها النفوس الكريمة . ثم حكى القرآن بعد ذلك جوابهم السيئ على نبيهم فقال : * ( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِه إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ . . ) * . والفاء للتفريع ، والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء . أي : هكذا نصح لوط قومه وزجرهم ، فما كان جوابهم شيئا من الأشياء سوى قول بعضهم لبعض أخرجوا لوطا والمؤمنين معه من قريتكم التي يساكنونكم فيها . وفي التعبير بقولهم : * ( مِنْ قَرْيَتِكُمْ ) * إشارة إلى غرورهم وتكبرهم فكأنهم يعتبرون لوطا وأهله المؤمنين دخلاء عليهم ، ولا مكان لهم بين هؤلاء المجرمين لأن القرية - وهي سدوم - هي قريتهم وحدهم ، دون لوط وأهله . وقوله - تعالى - حكاية عنهم : * ( إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) * تعليل للإخراج ، وبيان لسببه ، أي أخرجوهم من قريتكم لأنهم أناس يتنزهون عن الفعل الذي نفعله ، وينفرون من الشهوة التي نشتهيها وهي إتيان الرجال . . وما أعجب العقول عندما تنتكس ، والنفوس عندما ترتكس ، إنها تأبى أن يبقى معها الأطهار ، بل تحرض على طردهم ، ليبقى معها الممسوخون والمنحرفون الذين انحطت طباعهم ، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد قال : وقولهم : * ( إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) * سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخارا بما كانوا فيه من القذارة ، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما آل إليه أمر الفريقين فقال : * ( فَأَنْجَيْناه وأَهْلَه إِلَّا امْرَأَتَه قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ ، وأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) * . والغابر : الباقي . يقال : غبر الشيء يغبر غبورا . إذا بقي . أي : فكانت عاقبة تلك المحاورة التي دارت بين لوط وقومه ، أن أنجينا لوطا وأهله الذين آمنوا معه ، * ( إِلَّا امْرَأَتَه ) * فإننا لم ننجها لخبثها وعدم إيمانها ، فبقيت مع القوم الكافرين ، حيث قدرنا عليها ذلك بسبب كفرها وممالأتها لقومها . * ( وأَمْطَرْنا ) * على هؤلاء المجرمين * ( مَطَراً ) * عظيما هائلا عجيبا أمره وهو حجارة من سجيل دمرتهم تدميرا * ( فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) * أي : فبئس العذاب عذابهم .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ، ص 127 .