تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
منه النصر عليهم . فقال : كما حكى القرآن عنه : * ( رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ) * . أي : قال نوح في مناجاته لربه : يا رب انصرني على هؤلاء القوم الكافرين بسبب تكذيبهم لي وتطاولهم على . وسخريتهم منى ، وإصرارهم على عبادة غيرك . وقد أجاب اللَّه - تعالى - دعاء عبده نوح فقال : * ( فَأَوْحَيْنا إِلَيْه ) * أي : فأوحينا إليه في أعقاب دعائه وتضرعه . * ( أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا ) * أي : أوحينا إليه أن ابتدئ يا نوح في صنع السفينة وأنت تحت رعايتنا وحفظنا ، وسنرسل إليك وحينا ليرشدك إلى ما أنت في حاجة إليه من إتقان صنع السفينة ، ومن غير ذلك من شؤون . وفي التعبير بقوله - سبحانه - * ( أَنِ اصْنَعِ ) * إشارة إلى أن نوحا - عليه السلام - قد باشر بنفسه صنع السفينة التي هي وسيلة النجاة له وللمؤمنين معه . وفي قوله - تعالى - : * ( بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا ) * إشارة إلى أن نوحا بجانب مباشرته للصنع بنفسه ، كان مزودا من اللَّه - تعالى - بالعناية والرعاية وبحسن التوجيه والإرشاد عن طريق الوحي الأمين . وذلك لأن سنة اللَّه - تعالى - قد اقتضت أن لا يضيع عمل عباده المخلصين ، الذين يبذلون أقصى جهدهم في الوصول إلى غاياتهم الشريفة . والباء في قوله * ( بِأَعْيُنِنا ) * للملابسة ، والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير « اصنع » . والفاء في قوله - سبحانه - * ( فَإِذا جاءَ أَمْرُنا ) * لترتيب مضمون ما بعدها على إتمام صنع السفينة . والمراد بالأمر هنا : العذاب الذي أعده اللَّه - تعالى - لهؤلاء الظالمين من قوم نوح - عليه السلام - . ويشهد لذلك قوله - سبحانه - في آية أخرى : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّه أي : من عذابه إِلَّا مَنْ رَحِمَ . والمراد بمجيء هذا الأمر : اقتراب وقته ، ودنو ساعته ، وظهور علاماته وقوله - تعالى - : * ( وفارَ التَّنُّورُ ) * بيان وتفسير لمجيء هذا الأمر ، وحلول وقت إهلاكهم . وقوله : * ( فارَ ) * من الفوران . بمعنى شدة الغليان للماء وغيره . يقال للماء فار إذا اشتد غليانه . ويقال للنار فارت إذا عظم هيجانها . ومنه قوله - تعالى - إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وهِيَ تَفُورُ .