تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
وقوله - تعالى - : * ( ولا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) * نهى منه - سبحانه - لنوح - عليه السلام - عن الشفاعة لهؤلاء الكافرين ، أو عن طلب تأخير العذاب المهلك لهم . أي : اترك يا نوح هؤلاء الظالمين ، ولا تكلمني في شأنهم ، كأن تطلب الشفاعة لهم أو تأخير العذاب عنهم ، فإنهم مقضي عليهم بالإغراق لا محالة . ولا مبدل لحكمي أو إرادتي . ويبدو - واللَّه أعلم - أن هذه الجملة الكريمة ، كانت نهيا من اللَّه - تعالى - لنوح عن الشفاعة في ابنه الذي غرق مع المغرقين ، والذي حكى القرآن في سورة هود أن نوحا قد قال في شأنه : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ، وإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ، وأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ . ثم أرشد اللَّه - تعالى - نبيه نوحا إلى ما يقوله بعد أن يستقر في السفينة فقال - سبحانه - : * ( فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ ومَنْ مَعَكَ ) * من أهلك وأتباعك المؤمنين * ( عَلَى الْفُلْكِ ) * . أي : السفينة التي علمناك عن طريق وحينا كيفية صنعها بإحكام وإتقان * ( فَقُلِ ) * يا نوح على سبيل الشكر لنا ، والتقدير لذاتنا * ( الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي نَجَّانا ) * بفضله وكرمه * ( مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * الذين استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الضلالة على الهداية ، وتطاولوا على نبيهم الذي جاء لسعادتهم . * ( وقُلْ ) * - أيضا - يا نوح * ( رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً ) * أي : أنزلني إنزالا ، أو مكان إنزال مباركا - أي مليئا بالخيرات والبركات ، خاليا مما حل بالظالمين من إغراق وإهلاك . * ( وأَنْتَ ) * يا إلهي * ( خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) * بفضلك وكرمك في المكان الطيب المبارك . ثم عقب - سبحانه - على ما اشتملت عليه قصة نوح من حكم وآداب بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ وإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) * . أي : إن في ذلك الذي ذكرناه لك - أيها الرسول الكريم - عن نوح وقومه * ( لآياتٍ ) * بينات ، ودلالات واضحات ، على أن هذا القرآن من عندنا لا من عند غيرنا ، وعلى أن العاقبة للمؤمنين ، وسوء المنقلب للكافرين . و « إن » في قوله * ( وإِنْ كُنَّا ) * هي المخففة من الثقيلة ، واللام في قوله * ( لَمُبْتَلِينَ ) * هي الفارقة بينها وبين إن النافية ، والجملة حالية ، والابتلاء : الاختبار والامتحان . . . أي : إن في ذلك الذي ذكرناه عن نوح وقومه لآيات واضحات على وحدانيتنا وقدرتنا ، والحال والشأن أن من سنتنا أن نبتلى الناس بالنعم وبالنقم ، وبالخير وبالشر . ليتبين من يعتبر ويتعظ ، وليتميز الخبيث من الطيب ، وليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة ، وإن