أي : قال العابدون لمعبوديهم على سبيل المخاصمة لهم ، والتبرؤ منهم : تاللَّه ما كنا إلا في ضلال مبين ، وقت أن كنا في الدنيا نسويكم برب العالمين في العبادة مع أنكم خلق من خلقه لا تضرون ولا تنفعون .
* ( وما أَضَلَّنا ) * عن اتباع طريق الحق * ( إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ) * من شياطين الإنس والجن .
الذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان ، وصدونا عن الإيمان والطاعة والهداية .
* ( فَما لَنا ) * اليوم * ( مِنْ شافِعِينَ ) * يشفعون لنا عند ربنا . وما لنا - أيضا - من * ( صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) * أي : مخلص في صداقته ، يدافع عنا عند ربنا ، ويهتم بأمرنا في هذا الموقف العصيب .
قال الآلوسي ، والمراد التلهف والتأسف على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه ، أو صديق شفيق يهمه ذلك . وقد ترقوا لمزيد انحطاط حالهم في التأسف ، حيث نفوا - أولا - أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته ، ونفوا - ثانيا - أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم ، ويتوجع لهم ، أو يخلصهم . .
و * ( فَلَوْ ) * في قوله - تعالى - * ( فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً . . . ) * للتمني الدال على كمال التحسر .
والكرة : الرجعة إلى الدنيا مرة أخرى لتدارك ما فاتهم من الإيمان .
أي : فيا ليت لنا عودة إلى الدنيا مرة أخرى ، فنستدرك ما فاتنا من طاعة اللَّه - تعالى - .
* ( فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * الذين أزلفت الجنة لهم ، وأبعدت عنهم النار التي نحن مخلدون فيها .
ثم ختم - سبحانه - قصة إبراهيم بما ختم به قصة موسى - عليهما السلام - فقال :
* ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً وما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . . . ) *
إن في ذلك الذي ذكرناه لك - أيها الرسول الكريم - عن حال إبراهيم مع قومه ومع أبيه ، وعن أهوال يوم القيامة ، إن ذلك كله لحجة وعظة لمن أراد أن يؤمن ويعتبر ، ومع ذلك فإن أكثر قوم إبراهيم ما كانوا مؤمنين * ( وإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . ) *
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة نوح مع قومه ، فقال - تعالى - :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 260
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٦٠