تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
لك ، والحال أن الذين اتبعوك من سفلة الناس وفقرائهم ، وأصحاب الحرف الدنيئة فينا . . ؟ . وهذا المنطق المرذول قد حكاه القرآن في كثير من آياته ، على ألسنة المترفين ، وهم يردون على أنبيائهم عندما يدعونهم إلى الدين الحق . . وهنا يرد عليهم نوح ردا حكيما * ( قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي . ) * . أي : قال لهم على سبيل الاستنكار لما واجهوه به : وأي علم لي بأعمال أتباعى ، إن الذي يعلم حقيقة نواياهم وأعمالهم هو اللَّه - تعالى - أما أنا فوظيفتى قبول أعمال الناس على حسب ظواهرها . وهؤلاء الضعفاء - الأرذلون في زعمكم - ليس حسابهم إلا على اللَّه - تعالى - وحده ، فهو أعلم ببواطنهم وبأحوالهم منى ومنكم * ( لَوْ تَشْعُرُونَ ) * أي : لو كنتم من أهل الفهم والشعور بحقائق الأمور لا بزيفها ، لعلمتم سلامة ردى عليكم ولكنكم قوم تزنون الناس بميزان غير عادل ، لذا قلتم ما قلتم . ثم يحسم الأمر معهم في هذه القضية فيقول : * ( وما أَنَا ) * بحال من الأحوال * ( بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ) * الذين اتبعوني وصدقونى وآمنوا بدعوتي سواء أكانوا من الأرذلين - في زعمكم - أم من غيرهم ، * ( إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) * أي : ليست وظيفتي إلا الإنذار الواضح للناس بسوء المصير ، إذا ما استمروا على كفرهم ، سواء أكانوا من الأغنياء أم من الفقراء . فأنت ترى أن نوحا - عليه السلام - قد جمع في رده عليهم ، بين المنطق الرصين الحكيم ، وبين الحزم والشجاعة والزجر الذي يخرس ألسنتهم . لذا نراهم وقد أخرسهم المنطق المستقيم الذي سلكه نوح معهم ، يلجئون إلى التهديد والوعيد لنبيهم - عليه السلام - : * ( قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَه يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ . ) * أي : إذا لم تكف يا نوح عن مجادلتك لنا ، ومن دعوتك إيانا إلى ترك عبادة آلهتنا ، لتكونن من المرجومين منا بالحجارة حتى تموت . وهكذا الطغاة يلجئون إلى القوة والتهديد والوعيد ، عندما يجدون أنفسهم وقد حاصرهم أصحاب الحق من كل جوانبهم ، بالحجة الواضحة ، وبالرأى السديد . . ويئس نوح - عليه السلام - من إيمان قومه ، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، وبعد أن سمع منهم ما يدل على رسوخهم في الكفر والضلال ، تضرع إلى ربه