تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
ورب المشرق الذي هو جهة طلوع الشمس وطلوع النهار . ورب المغرب الذي هو غروب الشمس وغروب النهار . وخصهما بالذكر . لأنهما من أوضح الأدلة على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ولأن فرعون أو غيره من الطغاة لا يجرأ ولا يملك ادعاء تصريفهما أو التحكم فيهما على تلك الصورة البديعة المطردة . والتي لا اختلال فيها ولا اضطراب . . كما قال إبراهيم للذي حاجه في ربه : فَإِنَّ اللَّه يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ . . . وجملة * ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) * حض لهم على التعقل والتدبر ، وتحذير لهم من التمادي في الجحود والعناد . أي : ربنا وربكم هو رب هذه الكائنات كلها ، فأخلصوا العبادة له ، إن كانت لكم عقول تعقل ما قلته لكم ، وتفهم ما أرشدتكم إليه . وهكذا انتقل بهم موسى من دليل إلى دليل على وحدانية اللَّه وقدرته ، ومن حجة إلى حجة ، ومن أسلوب إلى أسلوب لكي لا يترك مجالا في عقولهم للتردد في قبول دعوته . . ولكن فرعون - وقد شعر بأن حجة موسى قد ألقمته حجرا انتقل من أسلوب المحاورة في شأن رسالة موسى إلى التهديد والوعيد - شأن الطغاة عندما يعجزون عن دفع الحجة بالحجة - فقال لموسى عليه السلام - : * ( لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ . ) * أي : قال فرعون لموسى بثورة وغضب : لئن اتخذت إلها غيرى يا موسى ليكون معبودا لك من دوني ، لأجعلنك واحدا من جملة المسجونين في سجنى فهذا شأني مع كل من يتمرد على عبادتي ، ويخالف أمرى . . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ألم يكن لأسجننك أخصر من * ( لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) * ومؤديا مؤداه ؟ قلت : أما كونه أخصر فنعم . وأما كونه مؤديا مؤداه فلا ، لأن معناه : « لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجونى وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض ، بعيدة العمق . لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل » « 1 » . .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 308 .