تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
قوله : وقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرِي . . « 1 » . فهو ينكر رسالة موسى - عليه السلام - من أساسها . . وهنا يرد موسى . بقوله : * ( قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ . ) * أي : قال موسى : ربنا - يا فرعون - هو رب السماوات ورب الأرض ، ورب ما بينهما من أجرام وهواء . وإن كنتم موقنين بشيء من الأشياء ، فإيمانكم بهذا الخالق العظيم وإخلاصكم العبادة له أولى من كل يقين سواه . وفي هذا الجواب استصغار لشأن فرعون . وتحقير لمزاعمه ، فكأنه يقول له : إن ربنا هو رب هذا الكون الهائل العظيم ، أما ربوبيتك أنت - فمع بطلانها - هي ربوبية لقوم معينين خدعتهم بدعواك الألوهية ، فأطاعوك لسفاهتهم وفسقهم . . وهنا يلتفت فرعون إلى من حوله ليشاركوه التعجيب مما قاله موسى وليصرفهم عن التأثر بما سمعوه منه ، فيقول لهم : * ( أَلا تَسْتَمِعُونَ ) * أي : ألا تستمعون إلى هذا القول الغريب الذي يقوله موسى . والذي لا عهد لنا به ، ولا قبول عندنا له ولا صبر لنا عليه . . . ولكن موسى - عليه السلام - لم يمهلهم حتى يردوا على فرعون بل أكد لهم وحدانية اللَّه - تعالى - وهيمنته على هذا الكون * ( قالَ رَبُّكُمْ ورَبُّ آبائِكُمُ الأَوَّلِينَ . ) * أي : ربنا الذي هو رب السماوات والأرض وما بينهما ، هو ربكم أنتم - أيضا - وهو رب آبائكم الأولين ، فكيف تتركون عبادته ، وتعبدون عبدا من عباده ومخلوقا من مخلوقاته هو فرعون ؟ وهنا لم يملك فرعون إلا الرد الدال على إفلاسه وعجزه ، فقال ملتفتا إلى من حوله : * ( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . ) * أي : قال فرعون - على سبيل السخرية بموسى - مخاطبا أشراف قومه : إن رسولكم الذي أرسل إليكم بما سمعتم * ( لَمَجْنُونٌ ) * لأنه يتكلم بكلام لا تقبله عقولنا ، ولا تصدقه آذاننا وسماه رسولا على سبيل الاستهزاء ، وجعل رسالته إليهم لا إليه ، لأنه - في زعم نفسه - أكبر من أن يرسل إليه رسول ، ولكي يهيجهم حتى ينكروا على موسى قوله . . ولكن موسى - عليه السلام - لم يؤثر ما قاله فرعون في نفسه ، بل رد عليه وعليهم بكل شجاعة وحزم فقال : * ( رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . ) * أي : قال موسى : ربنا رب السماوات والأرض وما بينهما . وربكم ورب آبائكم الأولين .
هامش
( 1 ) سورة القصص الآية 38 .