تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
واسم الإشارة * ( تِلْكَ ) * يعود إلى التربية المفهومة من قوله - تعالى - قبل ذلك : * ( أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً . . . ) * إلخ . وقوله * ( تَمُنُّها ) * من المن بمعنى الإنعام يقال : منّ فلان على فلان منة إذا أنعم عليه بنعمة . وعبدت : أي : اتخذتهم عبيدا لك تسخرهم لخدمتك . قال الجمل : و * ( تِلْكَ ) * مبتدأ ، و * ( نِعْمَةٌ ) * خبر . و * ( تَمُنُّها ) * صفة للخير و * ( أَنْ عَبَّدْتَ ) * عطف بيان للمبتدأ موضح له . وهذا الكلام من موسى - عليه السلام - يرى بعضهم أنه قاله على وجهة الاعتراف له بالنعمة ، فكأنه يقول له : تلك التربية التي ربيتها لي نعمة منك على ، ولكن ذلك لا يمنع من أن أكون رسولا من اللَّه - تعالى - إليك ، لكي تقلع عن كفرك ، ولكي ترسل معنا بني إسرائيل . ويرى آخرون أن هذا الكلام من موسى لفرعون ، إنما قاله على سبيل التهكم به ، والإنكار عليه فيما امتن به عليه ، فكأنه يقول له : إن ما تمنّ به على هو في الحقيقة نقمة ، وإلا فأية منة لك علىّ في استعبادك لقومي وأنا واحد منهم ، إن خوف أمي من قتلك لي هو الذي حملها على أن تلقى بي في البحر ، وتربيتي في بيتك كانت لأسباب خارجة عن قدرتك . . . ويبدو لنا أن هذا الرأي أقرب إلى الصواب ، لأنه هو المناسب لسياق القصة ، ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية : « ثم كر موسى على امتنان فرعون عليه بالتربية فأبطله من أصله ، واستأصله من سنخه - أي : من أساسه - ، وأبى أن يسمى نعمته إلا نقمة . حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل ، لأن تعبيدهم وقصدهم بالذبح لأبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته ، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه ، وتذليلهم واتخاذهم خدما له . . . » « 1 » . وبهذا الجواب التوبيخي أفحم موسى - عليه السلام - فرعون . وجعله يحول الحديث عن هذه المسألة التي تتعلق بتربيته لموسى إلى الحديث عن شيء آخر حكاه القرآن في قوله : * ( قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ الْعالَمِينَ ) * أي قال فرعون لموسى : أي شيء رب العالمين الذي أنت وأخوك جئتما لتبلغا رسالته لي ، وما صفته ؟ وهذا السؤال يدل على طغيان فرعون - قبحه اللَّه - وتجاوزه كل حد في الفجور ، فإن هذا السؤال يحمل في طياته استنكار أن يكون هناك إله سواه ، كما حكى عنه القرآن في آية أخرى
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 306 .