تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
معها عن الإيمان ، والأعناق جمع عنق . وقد تطلق على وجوه الناس وزعمائهم تقول : جاءني عنق من الناس : أي جماعة منهم أو من رؤسائهم والمقدمين فيهم . والمعنى : لا تحزن يا محمد لعدم إيمان كفار مكة بك ، فإننا إن نشأ إيمانهم ، ننزل عليهم آية ملجئة لهم إلى الإيمان . تجعلهم ينقادون له ، ويدخلون فيه دخولا ملزما لهم ، ولكنا لا نفعل ذلك ، لأن حكمتنا قد اقتضت أن يكون دخول الناس في الإيمان عن طريق الاختيار والرغبة ، وليس عن طريق الإلجاء والقسر . وصور - سبحانه - هذه الآية بتلك الصورة الحسية * ( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) * ، للإشعار بأن هذه الآية لو أراد - سبحانه - إنزالها لجعلتهم يخضعون خضوعا تاما لها ، حتى لكأن أعناقهم على هيئة من الخضوع والذلة لا تملك معها الارتفاع أو الحركة . قال صاحب الكشاف : « فإن قلت : كيف صح مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق ؟ قلت : أصل الكلام : فظلوا لها خاضعين . فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع ، وترك الكلام على أصله . كقوله : ذهبت أهل اليمامة ، كأن الأهل غير مذكور . أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء ، قيل : خاضعين . . وقيل أعناق الناس : رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قيل لهم : هم الرؤس والنواصي والصدور . . . وقيل : جماعات الناس . . » « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما عليه هؤلاء الكافرون من صلف وجحود فقال : * ( وما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْه مُعْرِضِينَ . ) * أي : ولقد بلغ الجحود والجهل بهؤلاء الكافرين ، أنهم كلما جاءهم قرآن محدث تنزيله على نبيهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومتجدد نزوله عليه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أعرضوا عنه إعراضا تاما . وعبر عن إعراضهم بصيغة النفي والاستثناء التي هي أقوى أدوات القصر ، للإشارة إلى عتوهم في الكفر والضلال ، وإصرارهم على العناد والتكذيب . وفي ذكر اسم الرحمن هنا : إشارة إلى عظيم رحمته - سبحانه - بإنزال هذا الذكر ، وتسجيل لأقصى دركات الجهالة عليهم ، لأنهم أعرضوا عن الهداية التي أنزلها الرحمن الرحيم لسعادتهم ، وحرموا أنفسهم منها وهم أحوج الناس إليها . و * ( مِنَ ) * الأولى لتأكيد عموم إعراضهم ، والثانية لابتداء الغاية ، وجملة * ( إِلَّا كانُوا عَنْه مُعْرِضِينَ ) * حالية . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال : * ( فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ . ) *
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 299 .