تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
فالجملة الكريمة وعيد شديد لهم على استهزائهم بالرسول الكريم الذي جاءهم ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . ثم يهملهم القرآن ويتركهم في طغيانهم يعمهون ، ويلتفت بالخطاب إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ليسرى عن نفسه ، وليسليه عما لحقه منهم ، وليبين له حقيقة حالهم فيقول : * ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه هَواه ، أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْه وَكِيلًا . . . ) * والاستفهام في قوله - سبحانه - * ( أَرَأَيْتَ ) * للتعجب من شناعة أحوالهم ، ومن قبح تفكيرهم . والمراد ب * ( هَواه ) * ما يستحسنه من تصرفات حتى ولو كانت في نهاية القبح والسخف . قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا ، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول . والمعنى : انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم - في أحوال هؤلاء الكافرين فإنك لن ترى جهالة كجهالاتهم ، لأنهم إذا حسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم . مهما كان قبح تصرفهم . وانحطاط تفكيرهم . . فهل مثل هؤلاء يصلحون لأن تهتم بأمرهم ، أو تحزن لاستهزائهم ؟ كلا إنهم لا يصلحون لذلك ، وعليك أن تمضى في طريقك فأنت لا تقدر على حفظهم أو كفالتهم أو هدايتهم ، وإنما نحن الذين نقدر على ذلك ، وسنتصرف معهم بما تقضتيه حكمتنا ومشيئتنا . فقوله - تعالى - : * ( أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْه وَكِيلًا ) * استئناف مسوق لاستبعاد كونه صلى اللَّه عليه وسلَّم وكيلا أو حفيظا لهذا الذي اتخذ إلهه هواه ، والاستفهام للنفي والإنكار . أي : إنك - أيها الرسول الكريم - لا قدرة لك على حفظه من الوقوع في الكفر والضلال . ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم السابق توبيخا أشد وأنكى فقال - تعالى - : * ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ . . ) * و « أم » هنا : هي المنقطعة ، وهي تجمع في معناها بين الإضراب الانتقالى ، والاستفهام الإنكارى . أي : بل أتحسب أن أكثر هؤلاء الكافرين يسمعون ما ترشدهم إليه سماع تدبر وتعقل ، أو يعقلون ما تأمرهم به أو تنهاهم عنه بانفتاح بصيرة ، وباستعداد لقبول الحق . . كلا إنهم ليسوا كذلك ، لاستيلاء الجحود والحسد على قلوبهم .