تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
فجملة « فقدره تقديرا » بيان لما اشتمل عليه هذا الخلق من إحسان وإتقان فهو - سبحانه - لم يكتف بمجرد إيجاد الشيء من العدم ، وإنما أوجده في تلك الصورة البديعة التي عبر عنها في آية أخرى بقوله : . . . صُنْعَ اللَّه الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ . . . « 1 » . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : في الخلق معنى التقدير . فما معنى قوله : * ( وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَه تَقْدِيراً . ) * قلت : معناه أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية ، فقدره وهيأه لما يصلح له . مثاله : أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوى الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابى الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد ، جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير . . « 2 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن المشركين لم يفطنوا إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من تنظيم دقيق ، ومن صنع حكيم يدل على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، بل إنهم - لانطماس بصائرهم - عبدوا مخلوقا مثلهم فقال - تعالى - : * ( واتَّخَذُوا مِنْ دُونِه آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُونَ . . . ) * والضمير في قوله * ( واتَّخَذُوا . . ) * يعود على المشركين المفهوم من قوله * ( ولَمْ يَكُنْ لَه شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) * أو من المقام . أي : واتخذ هؤلاء المشركون معبودات باطلة يعبدونها من دون اللَّه - عز وجل - ، وهذه المعبودات لا تقدر على خلق شيء من الأشياء ، بل هي من مخلوقات اللَّه - تعالى - . وعبر عن هذه الآية بضمير العقلاء في قوله * ( لا يَخْلُقُونَ ) * جريا على اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع ، أو لأن من بين من اتخذوهم آلهة بعض العقلاء كالمسيح والعزير والملائكة . . وأيضا هؤلاء الذين اتخذهم المشركون آلهة : * ( لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ) * فضلا عن غيرهم * ( ضَرًّا ولا نَفْعاً ) * فهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم ، ولا جلب النفع لذواتهم * ( ولا يَمْلِكُونَ مَوْتاً ولا حَياةً ولا نُشُوراً ) * أي : ولا يقدرون على إماتة الأحياء . ولا على إحياء الموتى في الدنيا ، ولا على بعثهم ونشرهم في الآخرة . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد وصف تلك الآلهة المزعومة بسبع صفات ، كل صفة منها كفيلة بسلب صفة الألوهية عنها ، فكيف وقد اجتمعت هذه الصفات السبع فيها ؟ ! ! .
هامش
( 1 ) سورة النمل الآية 88 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 263 .