تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
خيرات وبركات على عباده ، وأن هذا العطاء ثابت مستقر ، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بجلاله - عز وجل - . ولم يذكر - سبحانه - لفظ الجلالة ، واكتفى بالاسم الموصول الذي نزل الفرقان ، لإبراز صلته - سبحانه - وإظهارها في هذا المقام ، الذي هو مقام إثبات صدق رسالته التي أوحاها إلى نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وعبر - سبحانه - ب * ( نَزَّلَ ) * بالتضعيف ، لنزول القرآن الكريم مفرقا في أوقات متعددة ، لتثبيت فؤاد النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم . ووصف اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالعبودية ، وأضافها لذاته ، للتشريف والتكريم والتعظيم . وأن هذه العبودية للَّه - تعالى - هي ما يتطلع إليه البشر . واختير الإنذار على التبشير . لأن المقام يقتضى ذلك ، إذ أن المشركين قد لجوا في طغيانهم وتمادوا في كفرهم وضلالهم ، فكان من المناسب تخويفهم من سوء عاقبة ما هم عليه من عناد . وهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم للناس جميعا . حيث قال - سبحانه - : * ( لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ) * أي : لعالم الإنس وعالم الجن ، وشبيه بها قوله - تعالى - : وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 1 » . وقوله - سبحانه - : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَيْكُمْ جَمِيعاً . . . « 2 » . ثم وصف - سبحانه - ذاته بجملة من الصفات التي توجب له العبادة والطاعة فقال : * ( الَّذِي لَه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * فهو الخالق لهما . وهو المالك لأمرهما ، لا يشاركه في ذلك مشارك . والجملة الكريمة خبر لمبتدأ محذوف . أو بدل من قوله : * ( الَّذِي نَزَّلَ . ) * * ( ولَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ) * فهو - سبحانه - منزه عن ذلك وعن كل ما من شأنه أن يشبه الحوادث . * ( ولَمْ يَكُنْ لَه شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) * بل هو المالك وحده لكل شيء في هذا الوجود . * ( وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَه تَقْدِيراً ) * أي : وهو - سبحانه - الذي خلق كل شيء في هذا الوجود خلقا متقنا حكيما بديعا في هيئته ، وفي زمانه ، وفي مكانه ، وفي وظيفته ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته . وصدق اللَّه إذ يقول : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناه بِقَدَرٍ « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء الآية 107 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 158 . ( 3 ) سورة القمر الآية 49 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 170 | سيد محمد طنطاوي