تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
الشام ، ليس فيها ساكن ، فأنزل اللَّه - تعالى - : * ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ ) * « 1 » . والمراد بالبيوت في قوله - تعالى - : * ( لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً . . ) * البيوت المسكونة من أصحابها ، بدليل قوله - سبحانه - بعد ذلك ، * ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ . ) * وقوله - تعالى - : * ( تَسْتَأْنِسُوا ) * ، من الاستئناس بمعنى الاستعلام والاستكشاف ، فهو من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا ، ومنه قوله - تعالى - فَلَمَّا قَضى مُوسَى الأَجَلَ وسارَ بِأَهْلِه آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً ، قالَ لأَهْلِه امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً . . « 2 » أي : قال لأهله إني رأيت نارا . ويصح أن يكون من الاستئناس الذي هو ضد الاستيحاش ، لأن الذي يقرع باب غيره لا يدرى أيؤذن له أم لا ، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه ، فإذا أذن له أهل البيت في الدخول ، زالت وحشته ، ودخل وهو مرتاح النفس . وعلى هذا المعنى يكون الكلام من باب المجاز ، حيث أطلق اللازم وهو الاستئناس ، وأريد الملزوم وهو الإذن في الدخول . والمعنى : يا من آمنتم باللَّه - تعالى - حق الإيمان ، لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم التي تسكنونها ، والتي هي مسكونة لسواكم « حتى تستأنسوا » ، أي : حتى تعلموا أن صاحب البيت قد أذن لكم ، ورضيت نفسه بدخولكم « وتسلموا على أهلها » أي : وتسلموا السلام الشرعي على أهل هذه البيوت الساكنين فيها . وعبر - سبحانه - عن الاستئذان في الدخول بالاستئناس ، لأنه يوحى بأن القادم قد استأنس بمن يريد الدخول عليهم وهم قد أنسوا به ، واستعدوا لاستقباله ، فهو يدخل عليهم بعد ذلك وهم متهيئون لحسن لقائه . فإذا ما صاحب كل ذلك التسليم عليهم . كان حسن اللقاء أتم وأكمل . وقوله * ( ذلِكُمْ ) * : أي الاستئناس والتسليم قبل الدخول * ( خَيْرٌ لَكُمْ ) * من الدخول بدون استئناس أو استئذان أو تسليم . وقوله : * ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * متعلق بمحذوف ، ولعل هنا للتعليل . أي : أرشدناكم إلى هذا الأدب السامي ، وبيناه لكم ، كي تعملوا به ، وتكونوا دائما متذكرين له ، وتتركوا اقتحام
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 12 ص 213 . ( 2 ) سورة القصص الآية 29 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 109 | سيد محمد طنطاوي