و * ( مِنْ ) * في قوله * ( مِنْ وَلَدٍ ) * لتأكيد هذا النفي وتعميمه .
وفي معنى هذه الآيات جاءت آيات كثيرة منها قوله - تعالى - في هذه السورة : وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْه وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً . وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً . « 1 »
ثم بين - سبحانه - ما يدل على غناه عن الولد والوالد والصاحب والشريك فقال :
* ( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * أي : لا يتصور في حقه - سبحانه - اتخاذ الولد ، لأنه إذا أراد قضاء أمر ، فإنما يقول له : كن ، فيكون في الحال ، بدون تأخير أو تردد .
وقوله - تعالى - * ( وإِنَّ اللَّه رَبِّي ورَبُّكُمْ فَاعْبُدُوه . . . . ) * قرأه ابن عامر والكوفيون بكسر همزة * ( إِنَّ ) * على الاستئناف ، أي : وإن عيسى - عليه السلام - قد قال لقومه - أيضا - وإن اللَّه - تعالى - هو ربي وهو ربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة ، وهذا الذي أمرتكم به هو الصراط المستقيم الذي لا يضل سالكه .
وقرأ الباقون بفتح همزة أن بتقدير حذف حرف الجر أي : وقال عيسى لقومه : ولأن اللَّه ربي وربكم فاعبدوه . . . كما في قوله - تعالى - : وأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّه فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّه أَحَداً أي : ولأن المساجد للَّه . .
ثم بين - سبحانه - موقف أهل الكتاب من عيسى - عليه السلام - فقال : * ( فَاخْتَلَفَ الأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) * .
والأحزاب جمع حزب والمراد بهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا في شأنه - عليه السلام - فمنهم من اتهم أمه بما هي بريئة منه ، وهم اليهود كما في قوله : وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً .
ومنهم من قال هو ابن اللَّه ، أو هو اللَّه ، أو إله مع اللَّه ، أو هو ثالث ثلاثة . . . إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة التي حكاها القرآن عن الضالين وهم النصارى .
ولفظ ويل مصدر لا فعل له من لفظه ، وهو كلمة عذاب ووعيد .
و * ( مَشْهَدِ ) * يصح أن يكون مصدرا ميميا بمعنى الشهود والحضور .
والمعنى : هكذا قال عيسى - عليه السلام - لقومه : اعْبُدُوا اللَّه رَبِّي ورَبَّكُمْ ولكن الفرق الضالة من اليهود والنصارى اختلفوا فيما بينهم في شأنه اختلافا كبيرا ، وضلوا ضلالا
هامش
( 1 ) سورة مريم الآية 88 - 92 .