تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * في قوله : * ( ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) * إشارة إلى ما ذكره اللَّه - تعالى - قبل ذلك لعيسى من صفات حميدة ، ومن أخبار صادقة وهو مبتدأ ، وعيسى خبره ، وابن مريم صفته . ولفظ : * ( قَوْلَ ) * فيه قراءتان سبعيتان إحداهما قراءة الجمهور بضم اللام ، والثانية قراءة ابن عامر وعاصم ، بفتحها . وعلى القراءة بالرفع يكون * ( قَوْلَ الْحَقِّ ) * خبر مبتدأ محذوف . فيكون المعنى : ذلك الذي أخبرناك عنه بشأن عيسى وأمه هو قول الحق - عز وجل - وهو قول لا يحوم حوله باطل ، ولا يخالطه ريب أو شك . فلفظ * ( الْحَقِّ ) * يصح أن يراد به اللَّه - سبحانه - لأنه من أسمائه ، ويصح أن يراد به ما هو ضد الباطل ، وهو الصدق والثبوت . وعلى قراءة النصب يكون لفظ * ( قَوْلَ ) * مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة ، أي : ذلك الذي قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - من شأن عيسى ابن مريم ، هو القول الثابت الصادق . الذي أقول فيه قول الحق . والإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي : القول الحق ، كقوله - تعالى - وَعْدَ الصِّدْقِ أي : الوعد الصدق . وقوله : * ( الَّذِي فِيه يَمْتَرُونَ ) * بيان لموقف الكافرين من هذا القول الحق الذي ذكره اللَّه - تعالى - عن عيسى وأمه . و * ( الَّذِي ) * صفة للقول . أو للحق ، و * ( يَمْتَرُونَ ) * يشكون من المرية بمعنى الشك والجدل . . . أي : ذلك الذي ذكرناه لك من خبر عيسى هو القول الحق ، الذي شك في صدقه الكافرون ، وتنازع فيه الضالون ، فلا تلتفت إلى شكهم وكفرهم بل ذرهم في طغيانهم يعمهون . ثم نزه - سبحانه - ذاته عن أن يكون له ولد فقال : * ( ما كانَ لِلَّه أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَه . . . ) * أي : ما يصح وما يستقيم وما يتصور في حقه - تعالى - أن يتخذ ولدا ، لأنه منزه عن ذلك ، لأن الولد إنما يتخذه الفانون للامتداد ، ويتخذه الضعفاء للنصرة ، واللَّه - تعالى - هو الباقي بقاء أبديا ، وهو القوى القادر الذي لا يعجزه شيء .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 36 | سيد محمد طنطاوي