تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
* ( يا أُخْتَ هارُونَ ) * وموسى قبل عيسى بكذا وكذا . قال : فرجعت فذكرت ذلك لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : « ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم » . . وعن قتادة قال : « هو رجل صالح في بني إسرائيل . والأخت على هذا بمعنى المشابهة ، وشبهوها به تهكّما ، أو لما رأوا قبل من صلاحها . . . » « 1 » . وعلى أية حال فإن مرادهم بقولهم هذا ، هو اتهام مريم بما هي بريئة منه ، والتعجب من حالها ، حيث انحدرت من أصول صالحة طاهرة ، ومع ذلك لم تنهج نهجهم . وهنا نجد مريم تبدأ في الدفاع عن نفسها ، عن طريق وليدها * ( فَأَشارَتْ إِلَيْه ) * . أي : فأشارت إلى ابنها عيسى ، ولسان حالها يقول لهم : وجهوا كلامكم إليه فإنه سيخبركم بحقيقة الأمر . ولكنهم لم يقتنعوا بإشارتها بل قالوا لها : * ( كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) * . والمهد : اسم للمضطجع الذي يهيأ للصبي في رضاعه . وهو في الأصل مصدر مهده يمهده إذا بسطه وسواه . أي : كيف نكلم طفلا صغيرا ما زال في مهده وفي حال رضاعه . والفعل الماضي وهو * ( كانَ ) * هاهنا بمعنى الفعل المضارع المقترن بالحال ، كما يدل عليه سياق القصة . ولكن عيسى - عليه السلام - أنطقه اللَّه - تعالى - بما يدل على صدق مريم وطهارتها فقال : * ( قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّه . . ) * أي : قال عيسى في رده على المنكرين على أمه إتيانها به : إني عبد اللَّه ، خلقني بقدرته ، فأنا عبده وأنتم - أيضا - عبيده ، وهذا الخالق العظيم * ( آتانِيَ الْكِتابَ ) * أي : سبق في قضائه إيتائى الكتاب أي : الإنجيل أو التوراة أو مجموعهما . وعبر في هذه الجملة وفيما بعدها بالفعل الماضي عما سيقع في المستقبل ، تنزيلا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع الفعلي . وهذا التعبير له نظائر كثيرة في القرآن الكريم ، منها قوله - تعالى - : أَتى أَمْرُ اللَّه فَلا تَسْتَعْجِلُوه . وقوله - سبحانه - ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 16 ص 88 .