تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
مريم . والباء في قوله * ( بِجِذْعِ ) * مزيدة للتوكيد ، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه . أي : وحركي نحوك أو جهة اليمين أو الشمال جذع النخلة * ( تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً ) * وهو ما نضج واستوى من الثمر * ( جَنِيًّا ) * أي : صالحا للأخذ والاجتناء * ( فَكُلِي ) * من ذلك الرطب * ( واشْرَبِي ) * من ذلك السرى ، * ( وقَرِّي عَيْناً ) * أي : طيبي نفسا بوجودي تحتك ، واطردى عنك الأحزان . يقال : قرت عين فلان ، إذا رأت ما كانت متشوقة إلى رؤيته . مأخوذ من القرار بمعنى الاستقرار والسكون ، لأن العين إذا رأت ما تحبه سكنت إليه ، ولم تنظر إلى غيره . وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن مباشرة الأسباب في طلب الرزق أمر واجب وأن ذلك لا ينافي التوكل على اللَّه ، لأن المؤمن يتعاطى الأسباب امتثالا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع في ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه ويريده . وهنا قد أمر اللَّه - تعالى - مريم - على لسان مولودها - بأن تهز النخلة ليتساقط لها الرطب ، مع قدرته - سبحانه - على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك ، ورحم اللَّه القائل :
ألم تر أن اللَّه قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزه جنته ، ولكن كل شيء له سبب
كما أخذوا منها أن خير ما تأكله المرأة بعد ولادتها الرطب ، قالوا : لأنه لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطمعه اللَّه - تعالى - لمريم . وقوله - سبحانه - : * ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) * حكاية منه - تعالى - لبقية كلام عيسى لأمه . ولفظ * ( فَإِمَّا ) * مركب من إن الشرطية ، وما المزيدة لتوكيد الشرط و * ( تَرَيِنَّ ) * فعل الشرط ، وجوابه * ( فَقُولِي ) * وبين هذا الجواب وشرطه كلام محذوف يرشد إليه السياق . والمعنى : أن عيسى - عليه السلام - قال لأمه : لا تحزني يا أماه بسبب وجودي بدون أب ، وقرى عينا ، وطيبي نفسا لذلك ، فإما ترين من البشر أحدا كائنا من كان فسألك عن أمرى وشأنى فقولي له * ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً ) * أي : صمتا عن الكلام * ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) * لا في شأن هذا المولود ولا في شأن غيره ، وإنما سأترك الكلام لابني ليشرح لكم حقيقة أمره .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 31 | سيد محمد طنطاوي