تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
قال - تعالى - : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً « 1 » . إلا أن قوم كل رسول أو نبي منهم من آمن به . ومنهم من أعرض عنه بسبب إغراء الشيطان لهم ، وإيهامهم بأن ما هم عليه من ضلال هو عين الهدى . وإلى هذا التفسير أشار صاحب الكشاف بقوله : « قوله - تعالى - : * ( مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ ) * دليل بين على تغاير الرسول والنبي . والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء : من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبي غير الرسول : من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله . والسبب في نزول هذه الآية أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لما أعرض عنه قومه وشاقوه ، وخالفته عشيرته ولم يشايعوه على ما جاء به : تمنى لفرط ضجره من إعراضهم ، ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ما ينفرهم ، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم « 2 » . أما التفسير الثاني للفظ * ( تَمَنَّى ) * فهو أنه بمعنى قرأ وتلا . ومنه قول حسان بن ثابت ، في رثاء عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه :
تمنى كتاب اللَّه أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر
أي : قرأ وتلا كتاب اللَّه في أول الليل . وفي آخر الليل وافاه أجله . ومفعول * ( أَلْقَى ) * على هذا المعنى محذوف - أيضا - والمراد بما يلقيه الشيطان في قراءته : ما يلقيه في معناها من أكاذيب وأباطيل ، ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه الرسول وما يتلوه ، وليس المراد أنه يلقى فيها ما ليس منها بالزيادة أو بالنقص ، فإن ذلك محال بالنسبة لكتاب اللَّه - تعالى - الذي تكفل - سبحانه - بحفظه فقال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ « 3 » . والمعنى : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - من رسول ولا نبي إلا إذا قرأ شيئا مما أنزلناه عليه ، ألقى الشيطان في معنى قراءته الشبه والأباطيل ، ليصد الناس عن اتباع ما يتلوه عليهم هذا الرسول أو النبي . قال الآلوسي - رحمه اللَّه - : والمعنى : وما أرسلنا من قبلك رسولا ولا نبيا ، إلا وحاله أنه
هامش
( 1 ) سورة الكهف الآية 6 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 164 . ( 3 ) سورة الحجر الآية 9 .