تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
والمعنى : واذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - عبدنا أيوب - عليه السلام - وقت أن نادى ربه ، وتضرع إليه بقوله : يا رب أنى أصابني ما أصابني من الضر والتعب ، وأنت أجل وأعظم رحمة من كل من يتصف بها . فأنت ترى أن أيوب - عليه السلام - لم يزد في تضرعه عن وصف حاله * ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ) * ووصف خالقه - تعالى - بأعظم صفات الرحمة دون أن يقترح شيئا أو يطلب شيئا ، وهذا من الأدب السامي الذي سلكه الأنبياء مع خالقهم - عز وجل - . قال صاحب الكشاف : « ألطف - أيوب - في السؤال ، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ، وذكر ربه بغاية الرحمة ، ولم يصرح بالمطلوب . ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت : يا أمير المؤمنين ، مشت جرذان - أي فئران - بيتي على العصى ! ! فقال لها : ألطفت في السؤال ، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود ، وملأ بيتها حبا . . » « 1 » . وبعد أن دعا أيوب ربه - تعالى - بهذه الثقة ، وبهذا الأدب والإخلاص ، كانت الإجابة المتمثلة في قوله - تعالى - : * ( فَاسْتَجَبْنا لَه ) * أي دعاءه وتضرعه * ( فَكَشَفْنا ما بِه مِنْ ضُرٍّ ) * أي : فأزلنا ما نزل به من بلاء في جسده ، وجعلناه سليما معافى . بأن أمرناه أن يضرب برجله الأرض ففعل ، فنبعت له عين فاغتسل منها ، فزال عن بدنه كل مرض أصابه بإذن اللَّه - تعالى - . قال - سبحانه - : واذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّه أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ . ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ . . « 2 » . وقال - تعالى - : * ( وآتَيْناه أَهْلَه ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) * أي : لم نخيب رجاء أيوب حين دعانا ، بل استجبنا له دعاءه ، بفضلنا وكرمنا ، فأزلنا عنه المرض الذي نزل به ، ولم نكتف بهذا - أيضا - بل عوضناه عمن فقده من أولاده ، ورزقناه مثلهم معهم . قال الآلوسي ما ملخصه : « قوله : * ( وآتَيْناه أَهْلَه ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) * أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال : سألت النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن قوله : * ( وآتَيْناه أَهْلَه ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) * فقال : « رد اللَّه - تعالى - امرأته إليه ، وزاد في شبابها ، حتى ولدت له ستا وعشرين ذكرا » . فالمعنى على هذا : آتيناه في الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 130 . ( 2 ) سورة ص الآيتان 41 ، 42 .