تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
يده ، وكان آدم حراثا ، ونوح نجارا ، ولقمان خياطا ، وطالوت دباغا ، فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس ، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس ، وفي الحديث : « إن اللَّه يحب المؤمن المحترف المتعفف ، ويبغض السائل الملحف » « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من نعمه على سليمان بن داود فقال : * ( ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِه إِلى الأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ) * . وقوله : * ( ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ) * معطوف على معمول « سخرنا » في قوله - تعالى - قبل ذلك : * ( وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ ) * و « عاصفة » حال من الريح . أي : وسخرنا لسليمان الريح حال كونها عاصفة أي : شديدة الهبوب ، كما سخرنا مع أبيه الجبال يسبحن والطير . يقال : عصفت الريح تعصف إذا اشتدت ، فهي عاصف وعاصفة وعصوف سميت بذلك لتحطيمها ما تمر عليه فتجعله كالعصف وهو التبن . وقوله - تعالى - : * ( تَجْرِي بِأَمْرِه إِلى الأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ) * أي : جعلناها مع قوتها وشدتها تجرى بأمر سليمان وإذنه إلى الأرض التي باركنا فيها وهي أرض الشام . وقيل : يحتمل أن يكون المراد بها ما هو أعم من أرض الشام . ووصفت الريح هنا بأنها عاصفة ، وفي آية أخرى بأنها رخاء قال - تعالى - : تَجْرِي بِأَمْرِه رُخاءً حَيْثُ أَصابَ « 2 » . لأنها تارة تكون عاصفة ، وتارة تكون لينة رخاء . على حسب ما تقتضيه حكمته - سبحانه - . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : « فإن قلت : وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى ، فما التوفيق بينهما ؟ . قلت : كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة ، على ما قال : « غدوها شهر ورواحها شهر » فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها ، مع طاعتها لسليمان على حسب ما يريد » « 3 » . وقال - سبحانه - هنا : * ( تَجْرِي بِأَمْرِه إِلى الأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ) * أي تجرى بأمره إلى تلك الأرض في حال إيابه ورجوعه إليها ، حيث مقر مملكته ومسكنه . فالمقصود من الآية الكريمة الإخبار عن جريانها في حال عودته إلى مملكته .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 11 ص 321 . ( 2 ) سورة ص الآية 36 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 130 .