تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
وتسبيح الجبال والطير مع داود - عليه السلام - هو تسبيح حقيقي ، ولكن بكيفية يعلمها اللَّه - تعالى - كما قال - سبحانه - تُسَبِّحُ لَه السَّماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ ، وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . . « 1 » . وشبيه بالآية التي معنا قوله - تعالى - : ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَه والطَّيْرَ وأَلَنَّا لَه الْحَدِيدَ « 2 » . وقوله - سبحانه - : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّه أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإِشْراقِ والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَه أَوَّابٌ « 3 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( وكُنَّا فاعِلِينَ ) * أي : وكنا فاعلين ذلك لداود من تسخير الجبال والطير معه يسبحن اللَّه وينزهنه عن كل سوء ، على سبيل التكريم له . والتأييد لنبوته ، إذ أن قدرتنا لا يعجزها شيء ، سواء أكان هذا الشيء مألوفا للناس أم غير مألوف . وقوله - تعالى - : * ( وعَلَّمْناه صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ) * بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم اللَّه بها على داود . واللبوس : كل ما يلبس كاللباس والملبس : والمراد به هنا : الدروع . أي : وبجانب ما منحنا داود من فضائل ، فقد علمناه من لدنا صناعة الدروع بحذق وإتقان ، وهذه الصناعة التي علمناه إياها بمهارة وجودة * ( لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ) * . أي : لتجعلكم في حرز ومأمن من الإصابة بآلة الحرب . وتقى بعضكم من بأس بعض ، لأن الدرع تقى صاحبها من ضربات السيوف ، وطعنات الرماح . يقال : أحصن فلان فلانا ، إذا جعله في حرز وفي مكان منيع من العدوان عليه . والاستفهام في قوله : * ( فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ) * للحض والأمر أي : فاشكروا اللَّه - تعالى - على هذه النعم ، بأن تستعملوها في طاعته - سبحانه - . قال القرطبي - رحمه اللَّه - : « وهذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب ، وهو قول أهل العقول والألباب . لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء ، فالسبب سنة اللَّه في خلقه ، فمن طعن في ذلك فقط طعن في الكتاب والسنة ، وقد أخبر اللَّه - تعالى - عن نبيه داود أنه كان يصنع الدروع ، وكان - أيضا - يصنع الخوص ، وكان يأكل من عمل
هامش
( 1 ) سورة الإسراء الآية 44 . ( 2 ) سورة سبأ الآية 10 . ( 3 ) سورة ص الآيات 17 - 19 .