وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهى ) * تذييل قصد به تعليل الإنكار ، أي : إن في ذلك الذي أخبرناهم به ، وأطلعناهم عليه من إهلاك المكذبين السابقين ، * ( لآياتٍ ) * عظيمة ، وعبر كثيرة ، ودلائل واضحة لأصحاب العقول السليمة ، التي تنهى أصحابها عن القبائح والآثام .
والنهى : جمع نهية - بضم النون وإسكان الهاء - سمى العقل بها لنهيه عن القبائح .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على هؤلاء المشركين الذين أرسل الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لإنقاذهم من الكفر والضلالة فقال - تعالى - : * ( ولَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ، لَكانَ لِزاماً وأَجَلٌ مُسَمًّى ) * .
والمراد بالكلمة السابقة ، ما تفضل اللَّه - تعالى - به من تأخير عذاب الاستئصال عن هذه الأمة التي بعث فيها الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم تكريما له كما قال - تعالى - وما كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ . . . أو لأن من نسلهم من يؤمن باللَّه حق الإيمان ، أو لحكم أخرى يعلمها - سبحانه - ولزاما : مصدر بمعنى اسم الفاعل ، وفعله لازم كقاتل .
وقوله : * ( وأَجَلٌ مُسَمًّى ) * معطوف على * ( كَلِمَةٌ ) * .
والمعنى : ولولا الوعد السابق منا بتأخير العذاب عن هؤلاء المشركين إلى يوم القيامة .
ولولا الأجل المسمى المحدد في علمنا لانتهاء أعمارهم ، لما تأخر عذابهم أصلا ، بل لكان العذاب لازما لهم في الدنيا ، ونازلا بهم كما نزل بالسابقين من أمثالهم في الكفر والضلال .
ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالمداومة على الصبر ، وعلى الإكثار من ذكره - تعالى - ونهاه عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا .
فقال - تعالى - :
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 130 إلى 132 ]
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ( 130 ) ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِه أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيه ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأَبْقى ( 131 ) وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ والْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ( 132 )
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 167
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٦٧