تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
أي : إلى ما متعنا به أصنافا من هؤلاء المشركين ، بأن منحناهم الجاه والمال والولد . وما جعلناه لهم في هذه الدنيا بمثابة الزهرة التي سرعان ما تلمع ثم تذبل وتزول . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله * ( أَزْواجاً مِنْهُمْ ) * أي : أصنافا من الكفرة ، وهو مفعول * ( مَتَّعْنا ) * قدم عليه الجار والمجرور للاعتناء به . . وقيل الخطاب له صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والمراد أمته ، لأنه كان أبعد الناس عن إطالة النظر إليها ، وهو القائل : « الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ما أريد به وجه اللَّه - تعالى - » وكان صلَّى اللَّه عليه وسلَّم شديد النهى عن الاغترار بها . ويؤخذ من الآية أن النظر غير الممدود معفو منه ، وكأن المنهي عنه في الحقيقة هو الإعجاب بذلك ، والرغبة فيه ، والميل إليه . وقوله : * ( زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) * أي : زينتها وبهجتها . وهو منصوب بمحذوف يدل عليه * ( مَتَّعْنا ) * . أي : جعلنا لهم زهرة ، أو على أنه مفعول ثان ، بتضمين متعنا معنى أعطينا ، فأزواجا مفعول أول ، وزهرة هو المفعول الثاني . . « 1 » . وقوله : * ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيه ) * بيان للحكمة من هذا التمتيع والعطاء أي متعنا هؤلاء الكافرين بالأموال والأولاد . . لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم بهذا المتاع ، فإذا آمنوا وشكروا زدناهم من خيرنا ، وإذا استمروا في طغيانهم وجحودهم وكفرهم ، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر . فالجملة الكريمة تنفر العقلاء من التطلع إلى ما بين أيدي الكفار من متاع ، لأن هذا المتاع سيئ العاقبة ، إذا لم يستعمل في طاعة اللَّه - تعالى - . وقوله - سبحانه - : * ( ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأَبْقى ) * تذييل قصد به الترغيب فيما عند اللَّه - تعالى - من طيبات . أي : وما رزقك اللَّه إياه - أيها الرسول الكريم - في هذه الدنيا من طيبات . وما ادخره لك في الآخرة من حسنات ، خير وأبقى مما متع به هؤلاء الكافرين من متاع زائل سيحاسبهم اللَّه - تعالى - عليه يوم القيامة حسابا عسيرا ، لأنهم لم يقابلوا نعم اللَّه عليهم بالشكر ، بل قابلوها بالجحود والكفران . والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد رسمت للمؤمن أفضل الطرق وأحكمها ، لكي يحيا حياة فاضلة طيبة ، حياة يعتز فيها صاحبها بالمعاني الشريفة الباقية ، ويعرض عن المظاهر والزخارف الزائلة .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 16 ص 283 .