تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ . . . ) * فصيحة ، أي : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أن تأخير عذاب أعدائك للإمهال وليس للإهمال . . فاصبر على ما يقولونه في شأنك من أنك ساحر أو مجنون . . وسر في طريقك دون أن تلتفت إلى إيذائهم أو مكرهم واستهزائهم . ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يشرح صدره ، ويجلو همه فقال : * ( وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ، ومِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ) * . أي : وعليك - أيها الرسول الكريم - أن تكثر من تسبيح ربك وتحميده وتنزيهه قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، وفي ساعات الليل وفي « أطراف النهار » . أي : في الوقت الذي يجمع الطرفين ، وهو وقت الزوال ، إذ هو نهاية النصف الأول من النهار ، وبداية النصف الثاني منه ، إذ في هذا التسبيح والتحميد والتنزيه للَّه - تعالى - والثناء عليه بما هو أهله ، جلاء للصدور ، وتفريج للكروب وأنس للنفوس ، واطمئنان للقلوب . ويرى كثير من المفسرين ، أن المراد بالتسبيح هنا : إقامة الصلاة والمداومة عليها . قال ابن كثير : قوله * ( وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ) * يعنى صلاة الفجر * ( وقَبْلَ غُرُوبِها ) * يعنى صلاة العصر ، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد اللَّه البجلي قال : كنا جلوسا عند رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : « إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته - أي : لا ينالكم ضيم في رؤيته بأن يراه بعضكم دون بعض - فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا » ثم قرأ هذه الآية . . وقوله : * ( ومِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ ) * أي : من ساعاته فتهجد به ، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء . * ( وأَطْرافَ النَّهارِ ) * في مقابلة آناء الليل * ( لَعَلَّكَ تَرْضى ) * كما قال - سبحانه - : ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى « 1 » . وبعد هذا الأمر بالتسبيح ، جاء النهى عن الإعجاب بالدنيا وزينتها فقال - تعالى - : * ( ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِه أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيه . . ) * . أي : أكثر - أيها الرسول الكريم - من الاتجاه إلى ربك ، ومن تسبيحه وتنزيهه ومن المداومة على الصلاة ولا تطل نظر عينيك بقصد الرغبة والميل * ( إِلى ما مَتَّعْنا بِه أَزْواجاً مِنْهُمْ ) * .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 219 .