فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقول - سبحانه - : أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان ، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة ، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان » « 1 » .
وقوله - تعالى - : * ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ولا يُحِيطُونَ بِه عِلْماً ) * بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شيء .
أي : اللَّه - تعالى - وحده هو الذي يعلم جميع أحوال خلقه سواء ما كان منها يتعلق بما بين أيديهم من أمور الآخرة وأهوال الموقف ، أم ما كان منها يتعلق بما خلفهم من أمور الدنيا ، أما هم فإنهم لا يحيط علمهم لا بذاته - تعالى - ولا بصفاته ، ولا بمعلوماته .
فالضمير في قوله * ( ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ) * يعود على المتبعين للداعي وهم الخلق جميعا . . .
وقيل : يعود للشافعين ، وقيل للملائكة ، والأول أولى لعمومه .
وقوله - سبحانه - : * ( وعَنَتِ الْوُجُوه لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ . . . ) * مؤكد ومقرر لما قبله من خشوع الأصوات يوم القيامة للرحمن ، ومن عدم الشفاعة لأحد إلا بإذنه - عز وجل - .
والفعل * ( عَنَتِ ) * بمعنى ذلت يقال : عنا فلان يعنو عنوا - من باب سما - إذا ذل لغيره وخضع وخشع ، ومنه قيل للأسير عان لذله وخضوعه لمن أسره .
أي : وذلت وجوه الناس وخضعت في هذا اليوم للَّه - تعالى - وحده * ( لِلْحَيِّ ) * أي :
الباقي الذي له الحياة الدائمة التي لا فناء معها * ( الْقَيُّومِ ) * أي : الدائم القيام بتدبير أمر خلقه وإحيائهم وإماتتهم ورزقهم . . وسائر شؤونهم .
وهذا اللفظ مبالغة في القيام . وأصله قيووم بوزن فيعول . . من قام بالأمر .
إذا حفظه ودبره .
وخصت الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء ، وآثار الذل أكثر ما تكون ظهورا عليها .
وظاهر القرآن يفيد أن المراد بالوجوه جميعها ، سواء أكانت للمؤمنين أم لغيرهم ، فالكل يوم القيامة خاضع للَّه - تعالى - ومستسلم لقضائه ، فالألف واللام للاستغراق .
قال ابن كثير : قوله - تعالى - : * ( وعَنَتِ الْوُجُوه لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) * قال ابن عباس وغير واحد - من السلف - خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لخالقها وجبارها الحي الذي لا يموت . . « 2 » .
هامش
( 1 ) ، ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 311 .