تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وقيل : السائلون هم المؤمنون على سبيل طلب المعرفة والفهم . وقوله : * ( يَنْسِفُها ) * من النسف بمعنى القلع . يقال : نسفت الريح التراب نسفا - من باب ضرب - إذا اقتلعته وفرقته . أي : ويسألك - أيها الرسول الكريم - بعض الناس عن أحوال الجبال يوم القيامة ، فقل لهم : ينسفها ربي نسفا ، بأن يقلعها من أصولها ، ثم يجعلها كالرمل المتناثر ، أو كالصوف المنفوش الذي تفرقه الرياح . والفاء في قوله : * ( فَقُلْ ) * للمسارعة إلى إزالة ما في ذهن السائل من توهم أن الجبال قد تبقى يوم القيامة . والضمير في قوله * ( فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ) * يعود إلى الجبال باعتبار أجزائها السفلى الباقية بعد النسف ، ويصح أن يعود إلى الأرض المدلول عليها بقرينة الحال ، لأنها هي الباقية بعد قلع الجبال . والقاع : هو المنكشف من الأرض دون أن يكون عليه نبات أو بناء . والصفصف : الأرض المستوية الملساء حتى لكأن أجزاءها صف واحد من كل جهة . أي : فيتركها بعد النسف أرضا منكشفة متساوية ملساء ، لا نبات فيها ولا بناء . . . * ( لا تَرى فِيها عِوَجاً ولا أَمْتاً ) * أي : لا ترى في الأرض بعد اقتلاع الجبال منها ، مكانا منخفضا ، كما لا ترى فيها * ( أَمْتاً ) * أي : مكانا مرتفعا ، بل تراها كلها مستوية ملساء كالصف الواحد . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قد فرقوا بين العوج والعوج ، فقالوا : العوج بالكسر في المعاني : والعوج بالفتح في الأعيان ، والأرض عين ، فكيف صح فيها المكسور العين ؟ . قلت : اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة ونفى الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون ، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها ، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء ، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط ، ثم استطلعت رأى المهندس فيها ، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية ، لعثر فيها على عوج في غير موضع ، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسى ، فنفى اللَّه ذلك العوج الذي دق ولطف عن الإدراك ، اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة ، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني ، فقيل فيه ، عوج بالكسر والأمت : النتوء اليسير ، يقال : مد حبله حتى ما فيه أمت . . « 1 »
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 88 .