قال الآلوسي : فالجملة الكريمة نفى لسماعهم على أتم وجه ، ولذا عدل عن : وكانوا صما مع أنه أخصر ، لأن المراد أنهم مع ذلك كفاقدى السمع بالكلية وهو مبالغة في تصوير إعراضهم عن سماع ما يرشدهم إلى ما ينفعهم بعد تصوير تعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار . . « 1 » .
ثم يعقب - سبحانه - على هذا الوعيد الشديد للكافرين ، بالتهكم اللاذع لهم فيقول :
* ( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ ) * .
فالاستفهام : للإنكار والتوبيخ . والحسبان : بمعنى الظن .
والمراد بعبادي هنا : الملائكة وعيسى وعزير ومن يشبههم من عباد اللَّه الصالحين ، إذ مثل هذه الإضافة تكون غالبا للتشريف والتكريم .
وفي الآية الكريمة حذف دل عليه المقام .
والتقدير : أفحسب الذين كفروا بي أن يتخذوا عبادي الصالحين آلهة يستنصرون بهم من دوني ، أو يعبدونهم من دوني ، ثم لا أعذبهم - أي هؤلاء الكافرين بي - على هذا الاتخاذ الشديد الشناعة .
إن كان هؤلاء الكافرون بي يحسبون ذلك ، فقد ضلوا ضلالا بعيدا ، فإني لا بد أن أعذبهم على كفرهم وشركهم .
أو التقدير : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ، لكي يشفعوا لهم يوم القيامة ؟ كلا لن يشفعوا لهم بل سيتبرأون منهم ، كما قال - سبحانه - كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا .
ثم بين - سبحانه - ضلال هذا الحسبان الباطل فقال : * ( إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا ) * .
والنزل : ما يقدم للضيف عند نزوله ، والقادم عند قدومه ، على سبيل التكريم والترحيب .
أي : إنا اعتدنا جهنم لهؤلاء الكافرين بي ، المتخذين عبادي من دوني أولياء ، لتكون معدة لهم عند قدومهم تكريما لهم .
فالجملة الكريمة مسوقة على سبيل التهكم بهم ، والتقريع لهم ، لأن جهنم ليست نزل إكرام للقادم عليها ، بل هي عذاب مهين له .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 16 ص 45 .