تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
والمقصود بالتشبيه : بيان أن هذه السنوات الطويلة التي قضاها هؤلاء المشركون في الدنيا يتمتعون بلهوها ولعبها ، ويستبعدون معها أن هناك بعثا وحسابا . . قد زالت عن ذاكرتهم في يوم القيامة ، حتى لكأنهم لم يمكثوا فيها سوى وقت قصير لا يتسع لأكثر من التعارف القليل مع الأقارب والجيران والأصدقاء ، حتى لكأن ذلك النعيم الذي تقلبوا فيه دهرا طويلا لم يروه من قبل . . . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - في سورة الأحقاف : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ « 1 » وقوله - سبحانه ، في سورة الروم ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ « 2 » . فإن قيل : إن هناك بعض الآيات ذكرت أنهم عندما يسألون يحسبون بأنهم لبثوا في الدنيا يوما أو بعض يوم ، أو عشية أو ضحاها كما في قوله - تعالى - : قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ، قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ « 3 » . وكما في قوله - تعالى - كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها « 4 » فكيف نجمع بين هذه الآيات التي اختلفت إجابتهم فيها ؟ . فالجواب : أن أهل الموقف يختلفون في تقدير الزمن الذي لبثوه في الدنيا على حسب اختلاف أحوالهم ، وعلى حسب أهوال كل موقف ، فإن في يوم القيامة مواقف متعددة بعضها أشد من بعض . وقوله * ( يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) * جملة حالية أيضا من ضمير الجمع في يحشرهم . قال القرطبي : « وهذا التعارف توبيخ وافتضاح ، يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتنى وأغويتنى وحملتني على الكفر ، وليس تعارف شفقة ورحمة وعطف . . . والصحيح أنه لا ينقطع هذا التعارف التوبيخي عند مشاهدة أهوال القيامة ، لقوله - تعالى - ولَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ . . . فأما قوله : ولا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً وأشباهه فمعناه : لا يسأله سؤال رحمة وشفقة . . » « 5 » . وقوله : * ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّه وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) * جملة مستأنفة مسوقة لبيان
هامش
( 1 ) الآية 35 . ( 2 ) الآية 55 . ( 3 ) سورة المؤمنون الآية 112 ، 113 . ( 4 ) سورة المنازعات الآية الأخيرة . ( 5 ) تفسير القرطبي - يتصرف وتلخيص - ج 8 ص 348 .