تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
أي : ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ، ويتبعك وينتفع بما أرسلت به ، ومنهم من لا يؤمن به أبدا لاستحبابه العمى على الهدى . وعليه يكون المراد بمن يؤمن به ، أولئك الذين وفقهم اللَّه لا تباع الحق عن يقين وإذعان . وقيل إن المعنى : ومن قومك يا محمد أناس يؤمنون في قرارة نفوسهم بأن هذا القرآن من عند اللَّه ، ولكنهم يكذبونك جحودا وعنادا ومنهم من لا يؤمن به أصلا لانطماس بصيرته ، وإيثاره الغي على الرشد . وعلى هذا التفسير يكون المراد بمن يؤمن به : أولئك الذين يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ، ولكن الغرور والجهل والحسد حال بينهم وبين اتباعه . وقوله : * ( ورَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ) * أي : وربك أعلم بالمفسدين في الأرض بالشرك والظلم والفجور ، وسيحاسبهم على ذلك يوم الدين حسابا عسيرا ، ويذيقهم العذاب الذي يستحقونه ، فالمراد بالعلم هنا لازمه وهو الحساب والعقاب . وقوله : * ( وإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكُمْ عَمَلُكُمْ ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) * إرشاد من اللَّه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم إذا ما لج أعداؤه في طغيانهم . أي : وإن تمادى هؤلاء الأشرار في طغيانهم وفي تكذيبهم لك يا محمد ، فقل لهم : أنا مسؤول عن عملي أمام اللَّه ، وأنتم مسؤولون عن أعمالكم أمامه - سبحانه - وأنتم بريئون مما أعمله فلا تؤاخذوني عليه ، وأنا برئ كذلك من أعمالكم فلا يؤاخذنى اللَّه عليها . فالآية الكريمة تسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من قومه . وإعلام له بأن وظيفته البلاغ ، أما حسابهم على أعمالهم فعلى اللَّه - تعالى - . ثم صور - سبحانه - ما عليه أولئك الجاحدون من جهالات مطبقة ، وغباء مستحكم فقال - تعالى - : * ( ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ) * . أي : ومن هؤلاء المشركين - يا محمد - من يستمعون إليك وأنت تقرأ عليهم القرآن وترشدهم إلى ما ينفعهم ، ولكنهم يستمعون بلا تدبر أو فهم ، فهل أنت - يا محمد - في إمكانك أن تسمع الصم ، ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم ، لأن الأصم العاقل - كما يقول صاحب الكشاف - ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوى الصوت ، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر . ومنهم - أيضا - من ينظر إليك ، ويشاهد البراهين الدالة على صدقك ، فإن وجهك ليس بوجه كذاب ، ولكنه لا يتبع دعوتك جحودا وعنادا ، فهل أنت في إمكانك أن تهدى العمى ولو
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 75 | سيد محمد طنطاوي