تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
انضم إلى فقدان بصرهم فقدان بصيرتهم فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد نعتا على المشركين جهالاتهم ، وانطماس بصيرتهم ، بحيث صاروا لا ينتفعون بنعم اللَّه التي أنعم بها عليهم . فقد وصمهم - سبحانه - يفقدان السمع والبصر والعقل ، مع أنهم يسمعون ويبصرون ويعقلون ، لأنهم لما لم يستعملوا نعم اللَّه فيما خلقت له ، صارت هي والعدم سواء . والاستفهام في الآيتين للإنكار والاستبعاد . وجواب لو في الآيتين محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والجملة معطوفة على جملة مقدرة مقابلة لها . أي : أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون ، على معنى أفأنت تستطيع إسماعهم في الحالتين ؟ كلا لا تستطيع ذلك وإنما القادر على ذلك هو اللَّه وحده . ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : * ( إِنَّ اللَّه لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ولكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * . أي : إن اللَّه - تعالى - قد اقتضت سننه في خلقه ، أن لا يظلمهم شيئا ، كأن يعذبهم - مثلا - مع إيمانهم وطاعتهم له ، أو كأن ينقصهم شيئا من الأسباب التي يهتدون باستعمالها إلى ما فيه خيرهم . . ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ، بإيرادها موارد المهالك عن طريق اجتراح السيئات ، واقتراف الموبقات ، الموجبة للعقوبات في الدنيا والآخرة . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد نفت تصور أن يكون هذا القرآن من عند غير اللَّه ، وتحدت المشركين أن يأتوا بسورة مثله ، ووصمتهم بالتسرع في الحكم على شيء لم يحيطوا بعلمه ، وأمرت النبي صلى اللَّه عليه وسلم أن يثبت على دعوة الحق ، سواء استجاب له الناس أم لم يستجيبوا ، وأن اللَّه - تعالى - قد اقتضت حكمته ألا يعذب الناس إلا إذا فعلوا ما يوجب العقوبة ، وصدق اللَّه إذ يقول : ما يَفْعَلُ اللَّه بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ وكانَ اللَّه شاكِراً عَلِيماً . وبعد أن بينت السورة الكريمة أحوال أولئك المشركين في الدنيا ، ومواقفهم من الدعوة الإسلامية ، أتبعت ذلك بالحديث عن أحوالهم يوم الحشر ، ومن استعجالهم للعذاب ، وعن رد الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عليهم ، فقال - تعالى - :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 76 | سيد محمد طنطاوي