تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
و « إذ » ظرف لما مضى من الزمان ، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف . و « رب » منادى بحرف نداء محذوف أي : يا رب . والمراد بالبلد : مكة المكرمة شرفها اللَّه - تعالى - . والمعنى : واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه : يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار . وقدم إبراهيم - عليه السلام - في دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع النعم ، ولأنها إذا فقدها الإنسان ، اضطرب فكره ، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة ، وبقلب خال من المتغصات والمزعجات . قال الإمام الرازي : « سئل بعض العلماء : الأمن أفضل أم الصحة ؟ فقال الأمن أفضل ، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان ، ولا يمنعها هذا الكسر من الإقبال على الرعي والأكل والشرب . ولو أنها ربطت - وهي سليمة - في موضع ، وربط بالقرب منها ذئب ، فإنها تمسك عن الأكل والشرب ، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت . وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف ، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد ، « 1 » . وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه : « يذكر اللَّه - تعالى - في هذا المقام - محتجا على مشركي مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة اللَّه - تعالى - وحده ، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير اللَّه ، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب اللَّه له فقال - تعالى - : أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ويُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ . . وقال - تعالى - إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وهُدىً لِلْعالَمِينَ ، فِيه آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً . . . « 2 » . وقال صاحب الكشاف : « فإن قلت : أي فرق بين قوله - تعالى - في سورة البقرة رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً . . . « 3 » . وبين قوله هنا * ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً . . . ) * ؟ .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 135 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 431 . ( 3 ) الآية 126 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 564 | سيد محمد طنطاوي