تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
لا ينبغي أن يخفى عليه ، وأنه ينبغي أن يتعجب منه ، ثم أجرى الكلام معه ، كما يجرى مع من رأى ، قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب . . . » « 1 » . والمعنى ألم تعلم - أيها العاقل - أن اللَّه - تعالى - * ( خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ ) * . أي : خلقهما بالحكمة البالغة المنزهة عن العبث ، وبالوجه الصحيح الذي تقتضيه إرادته ، وهو - سبحانه - * ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) * أي - يهلككم أيها الناس * ( ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) * سواكم ، لأن القادر على خلق السماوات والأرض وما فيهما من أجرام عظيمة ، يكون على خلق غيرهما أقدر ، كما قال - تعالى - لَخَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ . . . « 2 » . وقوله - سبحانه - * ( وما ذلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ ) * معطوف على ما قبله ، ومؤكد لمضمونه . أي : إن يشأ - سبحانه - يهلككم - أيها الناس - ويأت بمخلوقين آخرين غيركم ، وما ذلك الإذهاب بكم ، والإتيان بغيركم بمتعذر على اللَّه ، أو بمتعاص عليه ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء ، ولا يحول دون نفاذ قدرته حائل . وشبيه بهذا قوله - تعالى - يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّه واللَّه هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وما ذلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ « 3 » . وقوله - تعالى - : وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ « 4 » . وقوله - تعالى - : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّه عَلى ذلِكَ قَدِيراً « 5 » . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من الحوار الذي يدور يوم القيامة بين الضعفاء والمستكبرين ، بين الأتباع والمتبوعين . . . فقال - تعالى - : * ( وبَرَزُوا لِلَّه جَمِيعاً ، فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّه مِنْ شَيْءٍ . . . ) * . وقوله * ( وبَرَزُوا ) * من البروز بمعنى الظهور ، مأخوذ من البراز وهو الفضاء الواسع ، الذي يظهر فيه الناس بدون استتار . أي : وخرج الكافرون جميعا من قبورهم يوم القيامة ،
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 13 ص 160 . ( 2 ) سورة غافر الآية 57 . ( 3 ) سورة فاطر الآيات من 15 - 17 . ( 4 ) سورة محمد الآية 38 . ( 5 ) سورة النساء الآية 133 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 542 | سيد محمد طنطاوي